السبت، 6 سبتمبر 2008

" الكلام المعووج .... "


بمناسبه التعديلات الدستورية المرتقبة .... فٌتح حوارا مجتمعيا واسعا حول ما يسمي " قضية المرأة " وعلاقتها بالتعديلات الدستورية المتوقعة ، واعتبر المهتمين بقضايا المرأة والمعنيين بحالها ذلك "المولد" الدستوري المنصوب حاليا فرصة سانحة لاثارة مزيد من الاهتمام والقاء ساطع الضوء علي الوضع السياسي والاجتماعي المتردي للمرأة مستهدفين من ذلك منح النساء نصيبهن المشروع من "كعكة" التعديلات الدستورية عن طريق تخصيص نص او نصين من بين عشرات النصوص الدستورية المرتقب اصدارها وتعديلها للنساء بشكل خاص بهدف تحقيق مزيد من المشاركة الاجتماعية والسياسية لهن ومزيد من التمكين !!!! وقد طرح علي ساحات المناقشة العديد من التصورات التي ستقود – حسبما يري اصحابها – لمزيد من التمكين للنساء سواء علي المستوي الاجتماعي او السياسي .. وروج البعض لان فكرة المواطنة التي ستكون هي اساس العقد الاجتماعي بين الدوله والشعب طبقا لما سينص عليه في المادة الاولي – المستحدثة - من الدستور بعد تعديله ستساعد علي انهاء والغاء التمييز المجتمعي الحاصل ضد النساء حيث ستتيح المواطنة ل"النصف الحلو" في المجتمع المساواة القانونية الكامله في الحقوق والواجبات مع "النصف الوحش " !! بل وتطرفت بعض الاراء وتمادت في احلامها وتصورت ان مجرد اضافة مادة او مادتين في الدستور او احداث تعديل في هذا القانون او ذاك من شأنه انهاء الفجوة النوعية وتحقيق المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة في المجتمع بل واعتبر البعض ان تفعيل قواعد التمييز الحميد لصالح النساء عن طريق منحهن "كوته" من المقاعد في البرلمان وزياده عدد النائبات في المجالس المنتخبة ( مجلس الشعب والشوري ومجالس المحليات ) من شأنه اتاحه الفرصة الاجتماعية والسياسية الكاملة للنساء .... ولانني من المهتمات بقضايا النساء ولان يدي في " النار الملهلبة " وقضيت كل سنوات حياتي المهنية ارصد واتابع المشكلات النصوصية والواقعية التي تصادف المرأة في حياتها الاسرية والعملية فقد خرجت من تلك الضجة الدائرة حولنا بملاحظتين سلبيتين للاسف !! الملاحظة الاولي انني لااري ولااصدق ان التعديلات الدستورية المرتقبة – ايا ماكانت طبيعتها - سوف تحدث التغيير الاجتماعي المؤثر بالنسبة للمرأة او ستنهي التمييز المجتمعي القانوني والواقعي الحاصل ضد النساء او ستحقق المساواة في الحقوق والواجبات بين النساء والرجال ، لان النصوص مهما كانت "دستورية او قانونية" لا تحقق وحدها أي تغييرات مؤثرة في حياتنا لان البشر المطبقين لتلك النصوص والخاضعين لها لديهم من المهارة والذكاء ما يعرقل تنفيذها ولديهم من القدرات البارعة ما يعطل اي فعالية لها اذا ما تناقضت وقناعاتهم العقلية وافكارهم العتيقة وعاداتهم وتقاليدهم الراسخة !!! ولنا في نص المادة (40 ) من الدستور الحالي " اسوة" تلك المادة التي قررت – منذ سنوات بعيدة - المساواة المطلقة امام القانون بين جميع المواطين دون اعتبار للجنس او الوضع الاجتماعي او العقيدة الدينية او الايدلوجية ورغم هذا عاني المجتمع كثيرا وبشدة – وليس النساء فقط - من انعدام المساواة وانعدام الفرص المتكافئة وكافة اشكال التمييز الواقعي لان عقول اصحاب القرار الفعلي والمهيمنين علي الامور واصحاب اليد الطولي في حياتنا ليست منحازة بحق لتلك المادة الدستورية وغير مكترثة بدقة تطبيقها ومنع تعطيلها ومحاربة اختراق احكامها ولان قناعات المواطنين البسطاء ووجدانهم لايؤمن ولايصدق في مضمون تلك المادة الدستورية العظيمة ، فاذا بحياتنا تواجه تناقضا حقيقيا موجعا بين نص الماده 40 من الدستور التي نستظل باحكامها النظرية وبين العيش في ظروف واقعية مليئة بالتمييز والانحياز ضد الكثير من المواطنين لاسباب ووجهات نظر مختلفة !!! فاذا كانت الماده (40 ) من الدستور الحالي لم تمنحنا طمأنينه المساواة القانونية والواقعية ولم تمنع عنا التمييز الطبقي والجنسي والديني فيكف ستمنحنا النصوص المرتقب اصدارها تلك الطمأنينة وكيف ستحدث في حياتنا التغييرات المنشودة ؟؟!!!! ان البشر هم ادوات التغيير الحقيقي وهم صناعه وهم المدافعين عنه فاذا لم نبذل مجهودا حقيقيا لمخاطبة عقول البشر
واكتشاف دفين قناعاتهم ونسعي بمنتهي الاخلاص والدأب لتغيير تلك القناعات والافكار فسيبقي مجتمعنا يعيش للاسف فجوة واسعة بين النصوص النظرية والواقع العملي !!! الملاحظة الثانية فأنني اري – للاسف الشديد - ان الحوار المجتمعي الدائر هذه الايام حول " تمكين النساء " هو حديث "طبقي" لن يفهم مفرداته المعقدة الصعبة الا نسوة الاحياء الراقية في العاصمة وبقيه المدن الكبري بالجمهورية ولايخص الا بنات الطبقات العليا والعائلات الثرية العريقة ولا يتطرق علي أي نحو كان لعموم نساء مصر بنات الطبقات الاجتماعية الشعبية الفقيرة في المدن واللاتي تولد وتموت في العشوائيات والاحياء الشعبية المكدسة او السيدات اللاتي يعشن تحت خط الفقر في القري والنجوع ، فهذه النساء وبشكل فطري وتلقائي وطبيعي مازالت تعيش تحت ظل السيطرة المطلقة لافكار الرجل ومازالت تحيا في اسر هيمنته وسطوته ومازالت تروج لمنظومة افكاره وثقافته الذكورية وتؤمن بأن " الديك ديك والفرخة فرخة " وتدافع عن وضعها المتدني المنكسر في مواجهته بأن " العين ماتعلاش عن الحاجب " وتدافع عن وجوده ولو هامشي او صوري من ان "ظل راجل ولا ظل حيطة " ومازالت تربي ابناءها علي ان " اكسر للبنت ضلع يطلعلها اتنين " !! هذه النسوة ولدت وتربت وعاشت وستموت في ظل منظومة قيمية تروج للعنف الاسري وتكرس التمييز الجنسي لكنها تراها سلوكيات وامورا طبيعية ولاتفهم سبب غضبنا – نحن النسوة المتحذلقات – منها ، هذه النسوة ولدت وتربت وعاشت وستموت في ظل اعراف وتقاليد وقيم منحازة ضدها ومعادية لوجودها الفاعل المستقل لكنها تؤمن بها وتروج لها وتدافع عنها وتورثها لابناءها واحفادها جيلا وراء جيل !! هذه النسوة ولدت وعاشت وستموت وهي تختن بناتها ايمانا منها بضرورة كسر شهوتهن الجنسية واخضاعهن ادبا للسيطرة الاجتماعية اللازمة ، ولدت وعاشت وستموت وهي تزوج بناتهن بغير سؤالهن او اخذ رأيهن لان " احنا ادري بمصلحتها " ، ولدت وعاشت وستموت وهي تخرج بناتهن من المدارس لتساعد الام في شغل البيت وتتعلم " الكنس والطبخ " وتكمل المسيرة!!! ولدت وتربت وستموت وهي مقتنعه بأن " يامخلفة البنات ياشايلة الهم لحد الممات " فاذا ماانجبت طفلة بكت بالدمع الساخن حزنا علي الهم المستمر الذي س" يركبها " طيلة العمر وحزنا علي ضياع فرصتها في الحصول علي "الولد سند " وحزنا علي نفسها " قالوا ليه النعش مايل ، قلت ماليش ابن شايل "!!!! هذه النساء ساكنه لمصيرها قابله لاحكامه الباترة قانعه بدورها الاجتماعي الذي تعيشه ولاتعرف غيره ولاتتصور تبديله فهو " سنه الحياة " التي عرفوها ولايعرفون غيرها !!! هذه النسوة تخاف من الحكومة وتنافق رجال حزبها بحثا عن " قطن التنجيد " و" دكة للعيل في الفصل " و" معاش مبارك " ولاتتابع الاحزاب السياسية ولاتفهم في برامجها ولا تؤيد زعمائها ولاتنتخب مرشحيها الاكفاء لان " ايديهم مش طايلة "!! هذه النسوة لن تترشح للانتخابات – أي انتخابات- واصواتها الانتخابية ميراثا عائليا لن تدلي به الا وفقا لتعليمات الرجال في اسرتها وقريتها وقبيلتها ولصالح من يختاروه نيابة عنها ووفقا لرؤيتهم في تحقيق وحماية المصالح الاسرية !! هذه النسوة لاتعنيها "الكوته" وليست مكترثة بتخصيص مقاعد للنساء في البرلمان او أي من المجالس المحلية ولاتفهم في أليات "التمييز الحميد " لصالح النساء ولاتنادي به ولاتدافع عنه لانها ليست غاضبه وليست رافضه وليست كارهة ل "التمييز الخبيث "هذه النسوة لاتفهم معني " التمكين " الذي تتشاجر حوله الاحزاب والقوي السياسية ولايسمعونا ولايصدقونا ويضحكوا في اكمامهم علي كلامنا " المعووج " !!!! لذا حين ينفض " مولد " التعديلات الدستورية وتمنح النساء " تمكينا ومساواة نصوصية " وينام الجميع سعيد قرير العين !! علينا ان نتذكر دائما –صدقا مع النفس واحتراما لها - ان هذه النسوة في واد ونحن في واد اخر!!!
الفقرة الاخيرة –هاجمتني يوما في احد المؤتمرات النسائية عاملة بسيطة مطحونة وممزقة بين عملها واسرتها وسخرت من الحاضرات وقالت " انتم نسوان مرفهة عندكم شغالات بيكنسوا ويمسحوا بدالكم علشان كده مش حاسين بينا ، يلعن ابو الشغل وابو اللي طلعنا من بيوتنا نتبهدل في الشغل ونتبهدل في البيت وعيشتنا كلها غم في غم " لم اغضب منها لكني غضبت من نفسي لانني تصورت ان " الشغل تحقيق ذات " فقط وتجاهلت المعاناة اليومية لملايين العاملات التي يعملن اعمالا لا تحقق ذاتهن ولاتمنحن امانا مالي ولاتخفف عنهن اعباء المنزل والزوج والاطفال !!! غضبت من نفسي ومازلت غاضبه ابحث عن حلا لتلك المعضلة التي تعيشها ملايين النساء يوميا لايشعر بهن احد !!!
الجملة الاخيرة – دعيت يوما لمؤتمرعن "الحقوق السياسية للنساء" وفي ذات اليوم بكت واحده من سكرتيراتي بالدمع وهي عاجزة عن رفض الزواج من رجل لم تراه ولاتعرفه !!! اعتذرت عن المؤتمر وسـألت نفسي " هل يمكن حصول النساء علي حقوقهن السياسية وهن لايملكن اتخاذ قراراتهن الشخصية !!

ليست هناك تعليقات: