الاثنين، 29 يوليو 2013

مما قرأت لك ..... الثورة المصرية التي كشفت حربا ...


الثورة المصرية التي كشفت «حرباً»
لم ينتهِ حكم الرئيس مرسي في مصر وحسب، بل انهار مستقبل تيار الإسلام السياسي وروافده وامتداداته التاريخية. الهوية الوطنية التي حاولوا استبدالها على مدى 85 عاما بهويتهم الأخوانية، تستعيد مكانتها.

undefined


بقلم: عبدالله كمال


للصراع في مصر وجوه عديدة، وبينما يحتشد ملايين المصريين في الشوارع سعيًا وراء حسم يعتقدون أنه سريع، فإن مصر تخوض واقعيًا صراعًا شديد التعقيد.. لن ينتهي في يوم وليلة، ويتميز بتنوع أبعاده – ومن ثم تأثيراته - محليًا وإقليميًا ودوليًا.. فضلًا عن ميادينه الكثيرة: جغرافيًا وإعلاميًا وأمنيًا وثقافيًا ودينيًا واجتماعيًا.
في 30 يونيو ذهب المصريون إلى «ثورة الدولة»، من أجل الدولة وبرعاية مؤسساتها، حين تقرر إنهاء «حكم الإخوان» بعزل الرئيس السابق محمد مرسي.. وكانت نتيجة ذلك انفجار صراع مسكوت عنه، لا يقتصر على وجهه الظاهر بخصوص منصب مرسي وشرعيته المنتهية، وإنما يضرب بالعمق في مصير مستقبل تيار الإسلام السياسي بكل روافده، وامتداداته التاريخية.. وصولًا إلى عشرينيات القرن الماضي عندما تأسست جماعة «الإخوان»، وطرحت بديلًا للهوية المصرية.
لقد ظل هذا البديل يفرض نفسه دينيًا وثقافيًا وسياسيًا على المجتمع المصري طوال 85 عامًا، ويقدم ذاته مشروعًا مختلفًا واعدًا بالتطور والتنمية وإصباغ هوية دينية بحتة على مصر.. وملوحًا بحلول أخرى للصراعات الإقليمية والعلاقات المصرية الدولية.. ومتعهدًا بالعدالة والطهارة. إلى أن ثبت أن كل هذا ليس سوى مجرد شعارات غير قابلة للتحقق، وأن البديل لا يمكنه أن ينتقل من مرحلة «الجماعة» إلى مرحلة «الدولة».. فضلًا عن تناقضه مع ثقافة المجتمع، فأنهى المصريون بأسرع مما توقع الجميع الفرصة الهشة التي منحوها له.
سقط المشروع الإخواني في مصر، معلنًا ليس فشله الدولتي والإداري، وإنما كذلك الحمق السياسي والثقافي الذي دفعه إلى أن يعلن حرباً قيمية – إدارية على المجتمع بدولته.. تهدف إلى تحقيق «الأخونة» ومن ثم «التمكين». كان انتصار مشروع «الجماعة» في هذه الحرب يعني محو كل ما هو ليس إخوانيًا، على المستويين الثقافي والديني، وإقصاء كل ما هو غير ذلك من تحت سماء البلد لصالح كل ما له صلة بالجماعة أو يمكن أن يساعدها على ذلك. وبالتالي فإن المشروع لم يعلن العدوان الاجتماعي على طبقات كاملة، والحرب السياسية على مؤسسات متغلغلة في بنيان الدولة.. ولكنه استهدف بكل سذاجة أن يطبق عليها النفي الشامل، وصولًا إلى محو تاريخها من تراث البلد.
لكونه «نقطة ارتكاز» و«محور نشوء» مشروع دولي متشعب، تنظيميًا وثقافيًا وأيديولوجيًا، وكذلك ماليًا.. فإن «الضربة الثورية المصرية» لهذه النقطة وذلك المحور قادت فورًا إلى تهديد استراتيجي صفري لكل روافد وأذرع المشروع وكل فروعه.. سواء كانت مرتبطة به مباشرة من خلال «التنظيم الدولي للإخوان»، أو تحالفت معه محليًا وإقليميًا، أو نشأت من رحم أيديولوجيته.
من ثم فإن «ثورة 30 يونيو» لم تكن إطاحة بسلطة قائمة، ومرفوضة من الشعب، لم تبلغ سوى عامين من عمرها – منذ حصل الإخوان على أغلبية مجلس الشعب المنحل – ولكنها، وهذا هو الأهم، هدمت أسس «الجماعة» وكشفت أساطيرها المؤسسة والبانية.. إضافة إلى تهديد وجودها برمته. كانت ثورة ضد «مشروع متكامل» وليس السلطة التي كونها بعد فروغ صبر السنوات.
قائمة الخاسرين نتيجة لذلك تشمل ما يلي: مكتب إرشاد ومجلس شورى الجماعة، الجماعة في حد ذاتها، حزب الحرية والعدالة، مجموعة أحزاب تيار الإسلام السياسي برمتها.. بما في ذلك حزب النور الذي حاول مرات أن يباعد بين موقفه وموقف الإخوان دون جدوى، التنظيم الدولي للإخوان، التوابع التي تضافرت في إطار الاستراتيجية الإقليمية الجديدة لاسيما في تونس، البديل المطروح تابعًا لذلك في ليبيا، البديل المطروح في سوريا، حكومة العدالة والتنمية في تركيا- المشروع الاردوغاني برمته، الروافد الخليجية للإسلام السياسي، الإخوان في الأردن.. وقبل كل ذلك حركة حماس في غزة، والقائمة التي تضم مئات من المفرج عنهم بقرارات العفو الرئاسية الصادرة من محمد مرسي خلال عام حكمه.
كمثال، فإن النتيجة المباشرة لعزل محمد مرسي، على مستوى العلاقة بين القاهرة وغزة كانت كما يلي:
* اتهام الرئيس المعزول رسميًا بالتخابر مع حماس، وإعادة فتح ملفات أحداث انتفاضة 28 يناير 2011 بقضية اقتحام سجن وادي النطرون، وما يستتبع ذلك قانونيًا، والأهم معنويًا.
* تزايد التضييق المصري على أنفاق رفح، ما أغلق شرايين أساسية لوجود حركة حماس اقتصاديًا ولوجيستيًا، وهو تضييق يبدو أنه لن يقف عند نقطة معينة قريبًا.. وبالموازاة له بدء عملية عسكرية مصرية واسعة النطاق ضد ارتكازات تنظيمات إرهابية ذات صلة بحماس في سيناء.
* انخفاض مستوى الاتصال السياسي بين حماس ومصر، إلى ما هو أدنى مما كانت عليه حتى في وقت الرئيس مبارك.. وبعد أن كانت حماس لديها خطوط مباشرة مع الرئيس المعزول ورئيس وزرائه.. فإنها لم تعد تتمكن من الاتصال إلا عن طريق المخابرات العامة، ليس عبر رئيسها ولا عبر رئيس هيئة الخدمة السرية فيها وإنما عبر رئيس الإدارة المختصة.
في أفق هذه التطورات تستشعر حماس خطرًا جوهريًا على وضعها في غزة، نتيجة لما حدث في مصر، وبينما كانت التفاعلات قد بدأت عمليًا داخل وحدات الحركة.. وما بين الجناحين السياسي والعسكري.. وما بين كل من خالد مشعل وإسماعيل هنية ومحمود الزهار..عقب معركة القصير في سوريا. فإن مجريات مصر صعدت تلك التفاعلات وبدأت تعود خطوط التواصل بين كل من إيران وحماس، كاشفة عن احتمال إبعادها عن معسكر كانت قد انضوت تحته خلال العامين الماضيين.. ولهذا نتائجه الصراعية.
لقد طرح مشروع «الإخوان» نفسه بديلًا للمشروع القومي العروبي الذي كان قد بدأ سقوطه التدريجي منذ غزو العراق للكويت في 1990. ولذا فإنه كان يتجه إلى بناء بديل إقليمي امتداد خطه يقضي شكليًا على منظمة «جامعة الدول العربية» لصالح تنظيم آخر يشمل دولًا غير عربية.. لاسيما تركيا. يحقق هذا في تحليله الأخير المشروع الأميركي الذي تبناه اليمين المحافظ في عهد الرئيس السابق بوش تحت عنوان «الشرق الأوسط الكبير».
من هذا الجانب فإن مشروع الإخوان كان يمثل سندًا استراتيجيًا للمصالح الأميركية- الأوروبية، من حيث أنه يؤدي إلى:
* توفير غطاء ديني لتسوية – متساهلة – للصراع «الفلسطيني- الإسرائيلي».. ويلحظ في ذلك رعاية حكم محمد مرسي لهدنة بين حماس وإسرائيل كانت جماعته هي نفسها تقف ضدها من قبل حين كان يذهب إليها حكم نظام حسني مبارك.
* تكريس الاستقطاب السني – الشيعي، بحيث يتحول الصراع الإقليمي إلى صراع ديني «إسلامي – إسلامي»، ما ينحي نهائيًا طبيعته السابقة كصراع بين عربي – إسرائيلي، ويكون الصراع بالأساس بين إيران وتوابعها في مواجهة تركيا وتوابعها.. بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وتمثل دعوة محمد مرسي للجهاد في سوريا ضد نظام بشار الأسد وحلفائه أحد أوجه هذا التطور الذي كان متصاعدًا.
* اجتذاب كل عناصر التنظيمات الدينية المسلحة من مختلف مناطقها، بعيدًا عن المصالح الأميركية، إلى قلب منطقة الشرق الأوسط.. حيث تنغمس في الصراع الديني الجديد، أو يتم احتواؤها تحت المظلات السياسية التي بدأت في حكم الدول العربيه تترى.
هذه الصفقة الاستراتيجية انهارت بشكل يفسر ردود الأفعال على ثورة 30 يونيو، ويبرر لماذ تعاني العواصم الغربية من ارتباك فادح.. وبعد أن تسارعت لوصف الانتفاضة المصرية في 28 يناير بأنها ثورة، فإنها لم تزل تفكر فيما إذا ما كان ما حدث في مصر هو ثورة أم انقلاب عسكري. في المرة الأولى نقل الرئيس الأسبق حسني مبارك السلطة إلى المجلس العسكري الأعلى من دون حتى أن يكون ذلك مطلبًا للمنتفضين.. ودون سند دستوري، وفي المرة الثانية كان الذي رعى عملية العزل الشعبي للرئيس هو الجيش الذي أعلن خريطة الطريق ثم ترك السلطة لرئيس مؤقت.
معلوماتيًا، وسياسيًا، صدمت «30 يونيو» أسسًا استراتيجية، وشبكة كاملة من التصورات وطرق التفكير كانت قد توصلت بعد سنوات طويلة إلى أن «الإسلام السياسي» بديل مقبول، وبناء عليه تم بناء الحسابات لسنوات. وعلى هامش هذا فإنها سببت مشكلات وظيفية ومهنية لعشرات من المسؤولين في السفارات المعنية وجهات التفكير والمتابعة التي لم تتوقع ما حدث واستبعدته تمامًا. وفي ذات الوقت فإن الثورة المصرية التي صدمت تعريفات كتب السياسة والتحليل الاجتماعي دفعت المسؤولين في عواصم مختلفة إلى اللهاث وراء إيقاعها.. إذ ما لبثوا يتعاملون مع متغير 30 يونيو كان أن واجهوا متغيرًا أشد ضراوة تمثل في مظاهرات 26 يوليو.. تلك التي منحت القوات المسلحة المصرية وقائدها العام تفويضًا شعبيًا بأن تخوض الحرب ضد العنف والإرهاب. لقد كان هذا التفويض بدوره من خارج تعريفات الكتب ومسببًا لارتباك وتعقيد إضافيين.
نتيجة لارتباك رد الفعل الأوروبي – الأميركي تجاه ما حدث في مصر، والتفاوت ما بين ثلاث مستويات لردود الأفعال: الرسمية المعلنة، والسياسية، والإعلامية.. إذ واقعيًا تواجه السلطة الجديدة في مصر هجومًا تليفزيونيًا وصحافيًا، وتصريحات بدرجات مختلفة من الانتقاد أو الحيادية، وقرارات رسمية لم تصل بعد إلى مستوى المواقف الحادة.. نتيجة لهذا فإن الصراع في مصر نحى إلى أن يكون «حربًا على الصورة».. على أساس اعتقاد مؤداه أن الذي يحصل على الصورة الأكثر انتشارًا وتأثيرًا في العواصم الخارجية هو الذي سيحصل على التأييد من تلك العواصم.
لقد ذهب الموقف إلى هذا المنحى بعد أن انشغلت السلطة المصرية الجديدة في بناء مفرداتها ومعادلاتها، في ذات الوقت الذي كثفت جماعة الإخوان من هجومها الإعلامي واستعطاف الغرب والولايات المتحدة.. والضغط عليها بأكثر من أسلوب. مبدئيا من ناحية أنه كيف للغرب الديموقراطي أن يؤيد «انقلابا»، وتهديدًا من زاوية أنه على الغرب ألا يلوم نفسه.. فقد ذهب الإسلام السياسي إلى صناديق الانتخابات ولكن أحدًا لم يقبل بنتيجتها.. وبالتالي لا يلوم الغرب إلا نفسه إذا ما عاد الإسلام السياسي إلى العنف.. وفقًا لتهديدات مبطنة أحيانًا ومعلنة في أحيان أخرى.
«الصراع على الصورة»، الناتج عن تغطية إعلامية منحازة لجماعة الإخوان، وتقديمها في صحافة الغرب على أنها «مضطهدة» واجهت انقلابًا ضد نتائج الديموقراطية، كان هو نفسه سحابة دخان كثيف على ضغوط أوروبية – أميركية لم تستهدف العودة إلى ما قبل 30 يونيو بقدر ما أرادت توفير «مدخل آمن» يعيد الإخوان إلى معادلة السياسة المصرية.. في ذات الوقت الذي كان هدف الثورة المصرية هو فتح «مخرج نهائي» لجماعة الإخوان.
«اعتصام رابعة» وفق هذا التحليل كان بؤرة التركيز في «الصراع على الصورة»، وربما كان هذا الصراع من الناحية الشكلية هو أحد أسباب الذهاب إلى مشهد 26 يوليو بناء على دعوة الفريق أول عبدالفتاح السيسي لشعب مصر بأن يخرج إلى الشوارع والميادين لكي يؤكد للعالم رغبته في تفويض القوات المسلحة لمواجهة الإرهاب.. لكن هذا الصراع العلني على الصورة كان بدوره يغطي على دوافع أخرى لدى كل أطراف الصراع:
* على مستوى الجيش المصري
- القوات المسلحة ممثلة في قائدها العام تريد نظريًا «أمرًا بالعمليات ضد الإرهاب» من الإرادة الحقيقية في المجتمع، وفق التعريف الذي أعلنته منذ بداية الأحداث وهو «الشعب»، وليس من السلطة التي نشأت نتيجة لخريطة الطريق.. ما قد تحتمل التشكيك فيها.
- يستتبع ذلك الحصول على شرعية تتجاوز المزايدات السياسية أو الآراء الدينية التي تأخذ شكل الفتاوى والتي يمكن توقعها ضد العمليات، وفوق ذلك تكون ظهيرًا للخسائر المتوقعه والمفترضة.
- إعلام الشعب بأن هذه العمليات والإجراءات ضد الإرهاب قد تستدعي وقتًا ليس قصيرًا، بخلاف خطوات استثنائية.
- عرقلة عمليات نوعية تحدثت عنها معلومات مختلفة كان مخططًا لها من قبل الجماعات المتطرفة وأعلن عنها بالفعل في يوم 17 رمضان الموافق 26 يوليو.
- اذا كانت العواصم الأوروبية والأميركية تمارس ضغوطًا وتتجه – احتمالًا- نحو عدم الاعتراف بالأوضاع الثورية الجديدة في مصر.. فإن مصدر الشرعية التي سوف يستند إليها النظام الناشئ هو الشعب المصري الذي يجب أن يرضخ له الجميع في الداخل والخارج.
* على مستوى جماعة الإخوان
- منازعة السلطة النابعة من ثورة 30 يونيو في شرعيتها، ومنعها من الوصول إلى حد أدنى من الاستقرار يسمح لها بالعمل واجتذاب الاستثمارات وإعطاء رسالة عن مصر مختلفة.. وبالتالي إفشال هذه السلطة وحكومتها.
- إذا كانت جميع التصريحات الصادرة عن عواصم الغرب تتحدث عن وجوب المضي قدمًا في عملية سياسية يرضى عنها كل المصريين فلابد من تعطيل تلك العملية، ما يستتبع انتقال مواقف تلك العواصم من احتمالية المساندة إلى تأكيدية الرفض.
- إذا كان هدف السلطة المصرية الجديدة توفير الأمن فلابد من تعطيل هذا إلى أبعد مدى ممكن..من خلال إرباك مستمر خصوصًا في العاصمة، ولاسيما في سيناء التي هدد أحد أبرز قادة الإخوان بتصعيد عمليات العنف فيها.
- استخدام كل تلك الأوراق في التفاوض على أوضاع جديدة للجماعة وقياداتها، بدءًا من احتجاز موقع في المعادلة ليس تحت مظلة المصالحة المشروطة وإنما انطلاقًا من وضعية ارتهان المجتمع وتهديده.. وبما في ذلك ضمانات الوضع القانوني والسياسي والمالي لقيادات الجماعة.
* على مستوى العواصم الأوروبية والولايات المتحدة
- استخدام الموقف في أكبر علمية إبراء ذمه غربي من تيارات الإسلام السياسي اتقاء لتهديدها المعلن والمبطن.
- توفير وقت يمكن خلاله إعادة ترتيب استراتيجية جديدة.. ليس في طريقة التعامل مع الإسلام السياسي وإنما مع إقليم الشرق الأوسط برمته، خصوصًا في ظل تحديات تلوح بوضوح في دول عربية أخرى مثل تونس وليبيا..فضلًا عن سورية.
- دراسة هذا الوضع الجديد في مصر ونتائجه، لاسيما في الصعود الاستراتيجي لمؤسسة القوات المسلحة، وللدولة المصرية عمومًا بتأثيرها واسع النطاق، وكذلك الصعود السياسي للقائد العام للجيش الفريق أول عبدالفتاح السيسي وتوابعه.
في الطريق إلى 30 يونيو لم تكن الصورة واضحة لدى مختلف عناصر الصراع، داخل وخارج مصر، باستثناء عدد من مؤسسات الدولة، وفي الطريق إلى 26 يوليو لم تكن الصورة واضحة كذلك.. خصوصًا لجماعة الإخوان وحلفائها.. ولاسيما لدى أوروبا والولايات المتحدة.. كما أن هذه الصورة كانت واضحة لدى نفس مؤسسات الدولة وفي صدارتها القوات المسلحة. لكن الخروج الملاييني غير المسبوق من شعب مصر إلى شوارع عشرات المدن قد تجاوز في نتائجه غير المباشرة مسألة منح التفويض الشعبي للجيش في مواجهة الإرهاب.. وسيكون مؤديًا إلى النتائج التالية:
- الرأي العام المصري ألقى بثقله الكامل خلف الدولة، ممثله في القوات المسلحة، وأعلن عليها رهانًا تاريخيًا متجددًا. في 30 يونيو طلب منها عزل الرئيس السابق، في 26 يوليو منحها تصويتًا فاق شرعية مواجهه الإرهاب وتضمن كذلك الموافقه الاكيدة على خريطة الطريق التي تتبناها.
- هذا الخروج الملاييني الذي لا مثيل له، وهذا الرهان على الدولة ومؤسساتها، أفقد أي من الأطراف التي تداخلت في عملية إعداد خريطة الطريق وإعلانها أي فرصة للمناورة السياسية خارج إطارها.. ومن ثم فأي انسحاب منها لن يكون مؤثرًا عليها. وفي هذا السياق يمكن ملاحظة أداء حزب النور الذي أراد التلويح بالانسحاب.. أو حركة تمرد التي ذهبت نحو تجاوز حدود قدرتها السياسية.
- الرسالة الأهم في يوم 26 يوليو كانت هي الرفض الصريح لنشوء الأحزاب على أساس ديني أو إقحام الدين في السياسة.. باعتبار ذلك التظاهر كان كله ضد مشروع الإخوان.. كما أنه فرض حظرًا شعبيًا متكاملًا ومتجددًا ضد الجماعة نفسها.
- صعود التيار الوطني المصري كمتغير سياسي داخلي، وكبديل جوهري للمشروع الذي كانت تطرحه الجماعة لهوية المجتمع.. وهي نقطه تحتاج إلى تفصيل يمكن أن يتاح فيما بعد.
- صعود التيار الغاضب – لا أقول المعادي – للولايات المتحدة.. ونشوء الاستعداد الشعبي لتغيير التحالفات المصرية وإعادة التموضع إقليميًا ودوليًا نتيجه لذلك.
- ظلال كثيفة على الساحة السياسية المصرية، وبما في ذلك تأثيرات هذا على روح الدستور قيد الإعداد ونتائج الانتخابات البرلمانية المقبلة وتغيير مفردات خريطة الانتخابات الرئاسية المقررة في حدود شهر مارس المقبل.
لقد خرج ملايين المصريين وكان في ذهنهم أن يكونوا مشهدًا خياليًا في «حرب الصورة»، إلى الدرجة التي معها كان كل متظاهر يتحدث باعتباره متحدثًا عن الآخرين ومؤكدًا أن خروج يوم 26 يوليو سيفوق يوم 30 يونيو. وفي ذات الوقت فإن هذه الملايين كانت تدرك أنها تخرج لكي تعطي الجيش تفويضًا في لكي يقوم بما يراه ضد العنف.. أي أن الجمهور المصري كان بنفسه يعلن الحرب على الإرهاب ومشروعه الثقافي والسياسي المساند. لكن الأكثر أهمية من كل ذلك هو أن قيادة الجيش ومؤسسات الدولة التي حصلت على التفويض تعرف تاريخية الحصول على تلك الطاقة الشعبية الهائلة ونتائجها ونتائج الرهان عليها.. ومعنى ذلك في مواجهة خصوم داخليين وإقليميين أصبحوا مكشوفين تمامًا وفي صراع علني الآن.

عبدالله كمال

هناك تعليق واحد:

Obat Kanker Kelenjar Getah Bening يقول...

أشكركم على المعلومات التي يتم نقل تحيات كل شيء! ^ __ ^ وإذن لزيارة