الاثنين، 25 أكتوبر 2010

مجرد سؤال بريء ؟؟؟؟




فكرت طويلاً قبل الكتابة في هذا الموضوع، صور لي خيالي في بعض اللحظات أن كلماتي ستتحول لكارثة وتدفع المتسولين، ممن يراكمون الثروات من الشحاذة، لمطاردتي لأني استعدي القانون عليهم وعلي عملهم! لكن الطمأنينة عادت لقلبي بسرعة لأني ادركت اني ساكتب ولن يتغير شيء وسيبقي المتسولون آمنين يمارسون عملهم المربح المريح دون أن يتعرض لهم أحد!

سألت نفسي أيضا هل أنا قاسية متغطرسة غليظة القلب، لماذا لا أشفق علي هؤلاء الذين يريقون ماء وجههم طيلة الوقت وصولا لحسنة من طيبي القلوب. لماذا لا أشعر بالتعاطف مع السيدة التي تسحب طفلاً مشلولاً يسيل اللعاب من فمه تجري بكرسيه المتحرك وسط السيارات. لماذا لا أحس قدر المشقة التي يبذلها الرجل العجوز وهو يقف علي قدميه طيلة اليوم بملامحه البائسة، لماذا لا أحمل بين ضلوعي قلباً رقيقاً يشفق علي تلك السيدة القعيدة التي تجلس علي مقعد متحرك تلوح للمحسنين بأكياس المناديل؟

وكدت أترجع عن الكتابة في هذا الموضوع، لأنني واثقة أن كثيرين من طيبي القلب سيرونني في صورة دراكولا سفاك الدماء لأني لا أتعاطف مع هؤلاء المتسولين اللي «حالهم يصعب علي الكافر»!

لكن بعد تفكير طويل قررت اكتب ما فكرت فيه واحسسته، غضبا من استغلال الأطفال المرضي الرضع في استدرار عطف المحسنين من قبل كبار امتهنوا الشحاذة والتسول، وهو استغلال قميء يوجع القلب لأطفال أبرياء لا ذنب لهم إلا مرضهم أو عته أو صغر سنهم فيستخدمهم الكبار المحترفون وسط ظروف قاسية - بلا اكتراث حقيقي بظروفهم ولا مرضهم ولا حالتهم - تفتيت القلوب والاستيلاء علي بعض ما في الجيوب ومراكمة الثروات بأسهل الطرق وابسطها و... حسنة قليلة تمنع بلاوي كتيرة، وساعدني أعالج العيل الغلبان، وربنا مايحكم علي ابنك زيه يارب ! واسمحوا لي أسأل من يهمه الأمر أو يعنيه.... هل مازال التسول في بلادنا مخالفة يعاقب القانون علي ارتكابها، ام تغيرت القوانين دون أن أدري فصار التسول مباحا، ويمكن لأي شخص أن يتخذ أي موقع مقرا لمباشرة عمله القانوني وهو الشحاذة.

فالمتسولون، أفرادا ومجموعات، يباشرون نشاطهم اليومي الدءوب في عز النهار في كل شارع حتي اختلط علي الأمر وتساءلت هل صارت الشحاذة والتسول مهنة «شريفة » من حق من يباشرها أن يباشرها بالطريقة وفي المكان الذي يختاره دون أي تعقيب من الدولة وقوانينها أم مازال التسول والشحاذة فعلا يعاقب عليه القانون بما يستوجبه ذلك من جهد لإعادة الانضباط للشارع المصري وتحجيم تلك الظاهرة وفقا لأحكام القانون وصولا لمنعها والقضاء عليها!

لاحظت ولاحظ الكثيرون معي، أن أعداد المتسولين والشحاذين قد ازدادت في السنوات الأخيرة بطريقة ملفتة للنظر، وتساءلت هل ازداد الفقر في بلادنا للحد والدرجة التي أفرزت كل هؤلاء المتسولين والمتسولات رجالاً ونساء وأطفالاً، أم ما هو سبب تلك الظاهرة التي انتشرت كالنار في الهشيم فجأة. فتراهم في كل الأماكن أمام المحلات وعلي نواصي الشوارع وفي إشارت المرور وأمام الجوامع والكنائس وأمام السينمات، تراهم في الشوراع الجانبية والشوارع الرئيسية، علي شاطئ النيل وامام المستشفيات الكبري فضلا عن ازدياد أعدادهم بشكل رهيب في المواسم والأعياد والإجازات الرسمية!

لاحظت ولاحظ الكثيرون معي، أن أشكال وطرق التسول والشحاذة قد تطورت في السنوات الأخيرة، فلم يعد الأمر رجلا أو امرأة تمد يدها علي استحياء تطالب بحسنة، بل صار بعض الشحاذين يطرقون زجاج السيارات وكأن من بداخلها أعمي لا يري إلحاحه خلف الزجاج، وصار بعضهم يجلس علي مقاعد خصصت للمعاقين والمشلولين فتظنهم بسذاجة في البداية مرضي قليلي الحيلة لكنك تكتشف بالمراقبة الدقيقة أنهم يغيرون ملابسهم كل يوم ويتحممون ويروحون ليلا ويرجعون نهارا. فسرعان ما تفطن انهم جزء من جماعة اكبر توصلهم ومقعدهم المعدني الثقيل كل يوم لمقر الشحاذة وتعود بهم آخر اليوم لاماكن نومهم.

أنه ليس نشاطاً فردياً دافعه الفقر والعوز، بل نشاط جماعي منظم هدفه الربح عن طريق ابتزاز الجمهور بجميع أشكال الابتزاز العاطفي والإنساني وصولا لدفعه طوعا لدفع الحسنة لهم! بعضهم شيوخ عجائز بضاعتهم العجز وارتعاشة اليد وبعضهم بضاعته اطفال صغار رضع ومرضي يصرخون ويبكون وبعضهم بضاعته حبات ليمون عجفاء وبعضهم بضاعته بنات صغيرات يطرقن الزجاج وترتعش أجسادهن من البرد والحر، بعضهم بضاعته أكياس مناديل يأنف أي شخص من لمسها وبعضهم بضاعته رجل كفيف يجرونه خلفهم يبكي! والحق أن أصحاب تجارة التسول والشحاذة لا يكفون عن تطوير تجارتهم وأعمالهم ووسائل ممارستها وأشكال بضاعتهم التي يعرضونها علي الجمهور ابتزازا لمشاعره وصولا لحسنته القليلة التي ستمنع عنه بلاوي كثيرة!

إن ما نراه حولنا، ليس تعبيرا عن ازدياد الفقر، وليس تعبيرا عن استفحال الجوع ، ما نراه حولنا عمل تجاري منظم يمارسه جماعات تقسم بينها الأدوار والجهد وربما تتشارك في الحصيلة أو يعمل معظم أفرادها باليومية الثابتة وبقية الايراد للمعلمين وأصحاب رأس المال ممن يوزعون الأكل علي عمالهم المتسولين ويحملونهم من أماكنهم لأماكن العمل بالسيارات ويعودون بهم آخر اليوم لمنازلهم، ممن يشترون تلك الأطفال المعاقة المريضة أو يستأجرونها من اهلها لاستخدامها ومرضها وعجزها وقلة حيلتها كوسيلة لاستدرار العطف وجلب الأموال، للمعلمين وأصحاب الأعمال ممن يجمعون تلك الباقة المتميزة من العجائز المرتعشين والنساء المشلولة والأطفال المريضة والرضع كوسائل تحفيزية لأصحاب القلوب الرحيمة لفتح محافظهم وجيوبهم ودفع الحسنة!

وبالطبع لا أنا ولا أي منكم قادر علي تصور قدر حصيلة الشحاذة والتسول اليومية التي تدفع سيدة نحيلة صفراء الوجه لصعود الطريق الدائري كل يوم ومعها طفل مكسور الرقبة مشلول والوقوف من أول النهار حتي آخره في عز الصيف ! الارجح انها حصيلة كبيرة لأني رأيت زميلتها وسط انهماكها بالتسول والدعاء والابتزاز، رأيتها تخرج من جيب جلبابها تليفوناً محمولاً وتتحدث فيه ثم تغلقه وتعيده لمكانه وتعود مرة أخري لرسم ملامح البؤس علي وجهها ومد كفها لجمهورها دونما تفطن طبعا أنني رأيتها وللأسف كنت اقود السيارة فعجزت عن التقاط صورتها بكاميرتي لكن ملامحها لم تغب عن عيني!

ومازالت اسأل ........ هل مازال التسول في بلادنا مخالفة يعاقب القانون علي ارتكابها؟ إنه مجرد سؤال بريء!
نشرت في جريده روز اليوسف اليومية 25 اكتوبر 2010

ليست هناك تعليقات: