الثلاثاء، 18 سبتمبر 2012

مما قرأت لكم ، القيء الجماعي في مصر


القىء الجماعى فى مصر





توابع زلزال 25 يناير مازالت مستمرة فى شكل قىء جماعى بمسمى التعبير عن الرأى ، ويصاحبه مرض الظهور ،أو التظاهر المستمر، ورفض الماضى فى حاضر لم يتبلور بعد؛ إلى متى ينتهى قصر النظر الشعبى؟ وإلى أين سيؤدى بنا هذا الفشل الإجتماعى ؛ الذى تمثل فى التحول المفاجىء من الإحتباس القمعى الإجبارى إلى التغوط والتبول الإرادى على كل شىء؟ لقد أصبح الكوكب المصرى وسكانه يعيشون حالة من الفراغ القييمى، وهذا يعد ورطة كبرى وتحد رهيب فى معركة بناء المستقبل؛ فبعد أن حاول هذا الشعب الخروج من الفلك قديم إلى فلك الحرية، شعر بالمتاهة بينهم وأصبح بين الحيرة والندم والخوف والتشكك، و أصبح العقلاء ينشدون الوصول بالبلاد إلى حالة الإتزان الطبيعى، التى عادة ما تلى أى تصادم؛ ولكن هذا الأتزان الذى ننشده قد يحدث دون تدخل من أحد ؛ فالتدخل والتحيز والتعمد يطيل من حالة عدم الاستقرار وقد يؤدى إلى مزيد من التصادم والإنفجار؛ ولكى يدور الكوب المصرى متزنا فى فلكه الجديد لابد لكل هذه المؤامرات أن تتوقف فورا، فما يحدث من استقواء بالحشد محض بلطجة لا تعبر عن ممارسة ديمقراطية سليمة كالتى تحدث فى كل دول العالم، بل هى ديكتاتورية وعنف موجه ضد مصر، يجب التصدى له ، ومعرفة من هم اللذين يديرونه بهذه البراعة .
يجب علينا كمواطنين أن نعرف قيمة النظام و الإصطفاف؛ إن كنا قد عرفنا قيمة الحرية، وأن نفهم أن أى خروج عن النظام بدون مبررات قوية وكافية ؛ هو جريمة فى حق الوطن يحض عليها عملاء مأجورين ويدعمهم عدد من الأقلام المتفهيقة التى تتشدق بحرية التظاهر وحرية التعبير ولا تحسب أن هناك وطنا أن لم يكن سقط فعلا فهو فى طريقه إلى السقوط ؛ فمنذ أن زال نظام مبارك -فى ظروف ستحتاج لبعض الوقت للحكم عليها بدقة - لم أرى إلا هرج ومرج يحركه عملاء ، ويتبعه صبية أغبياء ،ويدعمه كتاب: الله أعلم بسريرتهم، و هو وحده أدرى بمن أقعدهم خلف مكاتبهم، ومنحهم هذه المنابر فى الصحف والقنوات الفضائية . 
كمواطن ينتمى للأغلبية الساحقة، أو بمعنى أخر كمواطن ليس له أى توجه ولا انتماء إلا حب الوطن؛ لم أعد أطيق بعد أن إتسع الرتق على الراتق كل ما يحدث من مظاهرات وإعتصامات وفئويات، ولم أعد مهتما بتلك المطالب، ولم أعد معنيا بسماع بنودها مهما كانت المظلة التى يحتمون بها؛ بعد أن ثبت أن الهدف من وراء كل هذه الأشياء ليس نبيلا ، و بعد أن بدا الشكل الذى تخرج به للعالم، غير حضاري.
أستطيع الآن أن أجزم أن كل هذه التوترات لها من يحركها ويدعمها وهو لن يعدم الأسباب ولا الوسيلة فى استمرار هذا التوتر اليوم أو غدا ،و طالما أن الهدف ليس نبيلا ؛ فالأسباب دائما موجودة، خاصة فى بلد مهمَلة منذ عقود، تكالب على أهلها الجهل والمرض المصاحبان للفقر المتوارث فيها ؛ ولو سألنا أنفسنا : ما لذى لا يحض على الثورة فى مصر اليوم ؟ وما الذى لا يدفع الناس للغضب من وعلى كل شىء؛ لوجدنا حقا أن كل شىء فى هذه البلد اصبح مقززا يبعث على الضيق والتبرم ولكن هل الغضب هو الحل؟ وهل المزيد منه سينزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيداً ؟ أو يسقط علينا سلاسل من مطر من ذهب أو فضة؟! ألا يعلم الناس أن مصر تتسول العيش من القاص والدان ؟ هل من المنطقى أن نطلب الكرامة ونحن نتسول أسباب حياتنا ممن يلعنهم شيوخنا اللعانين ، الطعانين على منابرهم ؟ وهل نطلب الإستقلال والعدل والسلام من أعدائنا ونحن لم نعدل أو نرفق بوطننا ؟ 
الحكومات لا تأت بالقوت بل يأت به عمل وكد مواطنيها ، وبرغم أن الحكومة لها الدورالأكبر، وعليها يقع العبء الأكبر؛ بإعتبار أنها الإدارة التى تجمع وتوجه ، وتدرس وتخطط ؛ ولكن أى إدارة مهما كأنت رشيدة؛ ستسقط و تفشل مع التصرفات الغوغائية التى لا تستهدف صالح الوطن والتى نسميها مؤخرا فى مصر الحرية ؛ فكما قضى قهر الماضى على أحلام الأباء باسم النظام؛ فاليوم يضيع الأبناء ماتبقى منها باسم الحرية؛ تلك التى سيؤدى إساءة استخدامها إلى الضياع القومى، الذى ننحدر إليه كل يوم فى الوقت الذى يحسب غيرنا ويحصى معدلات نموه بالمليارات؛ لقد بات واضحاً - أن الأنهيار الإقتصادى الوطنى فى عالم يتعافى من أزماته المالية، والتخلف العلمى و القيمى فى عالم يتسابق تقنيا وبحثيا فى أفلاك الكواكب الإخرى - أن استمرارنا فى هذا القىء الجماعى، والإيجابية المبالغ فيها، والتحرش بكل من عارض، والتهليل الحماسى النضالى لكل من إتفق ؛ سيضعنا فى موقع أسوأ مما كنا عليه فى عصر ما قبل الثورة.
لم نعد نرى طيلة عامين تقريبا منذ بداية الثورة ً إلا قوائم بمطالبات : منها الدينية المغلفة بالسياسة أو التطرف، و أخرى حياتية، لم نعد نستمع إلا لهجاء وسباب و ردح؛ على خلفية صراعات سياسية وتحذيرات وشائعات وشكوك ومحاضر فى أقسام الشرطة وتحقيقات فى انتهاكات نسمع عنها لأول مرة فى مصر وتعديات ومخالفات ؛ و لم نعد محاصرين سوى بالتهديدات من الجار البعيد الذى يطالبنا بالإلتزام بالسلام مع الجار بالجنب الذى لا يعرف معنى السلام، ولا يبيت إلا العدوان؛ وهكذا أصبحنا و هكذا صارت الحياة كئيبة فى مصر؛ مع أن الشعب ثار ليغير واقعا، كئيبا فاستجار من الرمضاء بالنار، وبالرغم من أنه أسقط رئيسا واختار رئيسا أخر؛ إلا أن الأمد طال عليه فتحول إلى مهاجمة أى شىء وكل شىء حتى الرئيس الجديد؛ الذى تسرع بدوره فأوقعته الظروف فى هذه المعضلة فجمع بيديه كل السلطات، فوضع نفسه فى مرمى النيران، بينما جماعته تحاول كتابة الدستور؛ ليمكنوا لأنفسهم فى الأرض ما شاء الله لهم، وهم لا يعلمون أن حكم مصر خاصة فى هذه الظروف لم ولن يكون نزهة نيلية بين الغروب والعشى. 
مع ذلك و فى ظل كل هذه المعاناة ؛ هل تعى تلك الحكومة الجديدة سبب ما نحن فيه من محن وبلايا؟ وهل لديها علاجات سريعة؟بالطبع لا مجال لمن ألقى بنفسه فى أتون المعترك السياسى واستبق لتصدر المشهد أن يتذرع بعجلة المطالبين، و ليس له المطالبة بالمزيد من الوقت بحجة أنه اكتشف فجاة إستفحال المشكلة؛ لابد له من إعادة النظر فى كل النظم الداخلية وعلى رأسها النظام الإقتصادى، ولابد من التعامل بأفكار أكثر ملائمة لواقعنا وفقرنا من تلك التى يفرضها علينا صندوق النكد الدولى، الذى لا يهدف إلا لتوجيه سياسات الأعضاء الصغار فيه لمصلحة الأعضاء الكبار؛ بنظرة سريعة على ما حدث من بيع للدولة وملكيتها وشركاتها وإلغاء القوانين الإشتراكية وما صاحبه من ظلم إجتماعى وأنصراف كامل للحكومات المتعاقبة عن لعب أى دور لتنمية ثكالى وأرامل القطاع العام ، وما حدث من تقليص كبير جدا لأعداد الجنود فى القوات المسلحة مع عدم ضمان بدائل نظامية تستوعب كل هذه الاعداد من الشباب وأرباب الأسر؛ كل هذا كون لدينا على مدى عقود ؛ جيشا عرمرماً من العشوائيين ، وصنع مليشيات شعبية تعمل بقانونها الخاص، وتبيع أى شىىء لمن يشترى،وتشترى أى شىء ممن يبيع . 
لقد أصبحت مصر بالفعل محتلة بغوغائية كبيرة، وعلا فيها صوت الهمج والخارجين على القانون؛ وهم من الكثرة بمكان بحيث أصبحوا الشوكة الاكبر والأخطر فى خاصرة أى حصان سياسى شريف يسابق من أجل بلاده فى حلبات المستقبل؛ هؤلاء هم المرتزقة الذين صنعتهم يد الماضى البغيض، وجندتهم قوات أمن دولة العادلى ،و أولئك من يعرفون اللعب بين الكبار ؛ تعلموا وفهموا دورهم فى تحدي الرهانات و المكاسب السياسية و مدى لدد وقذارة الخصومات السياسية بين النخب الغنية؛ كما أنهم يفهمون أن الطريق للحكم لم يعد سالكا أمام أحد إلا إذا استطاع أن يملا الميدان بأنصاره ليبدوا للناس وللعالم أنه ذو شرعية ضاغطة تستطيع أن تفتح له أبواب التفاوض ؛ فامتهنوا حرفة توريد وتنظيم الحشود لمن يدفع .
لقد أصبحت البلطجة مهنة منظمة بشكل مخيف، تدر عائداً طيبا ، وأصبح لها أباطرة يحشدون الناس ويقسمون عليهم غنائم الحرب؛ أولئك اللذين كانوا قديما يطلق عليهم فى عهد الملكية والخديوية اسم: "كدابين الزفة"، اصبحوا اليوم يصنعون التظاهرة ويهدمونها على رؤوس من يقومون بها فى آن واحد ، يشوهون الثائر الشريف ويخرجون المظاهرات عن مضامينها ، و لكل شىء عندهم ثمن ولهم فى كل حدث مساهمة مؤلمة؛ وفى أوقات الفراغ يفترشون الطريق و يتاجرون فى أى شىء و يعتدون على ما تقع عليه أيديهم .
لو أننا نرى هذه المشكلة كما ينبغى، ونقدر خطورتها ؛ لوصلنا لتحليل الأسباب التى أدت إليها؛ ومن الأسباب يمكن الوصول للحل؛ حسب تحليلى الخاص: يعود كل ما هذا أو بعضه، لسبب اقتصادى وآخر نظامى، وعلاجه يجب أن يكون اقتصاديا نظاميا، وهذا العلاج يجب أن يكون سريعا فعالا للتعجيل بضم هذه الملايين المزعجة التى تعيش خارج دائرة الوطنية ؛ وإن كأنت تشاركنا تراب هذا الوطن؛ لذلك أقترح،على سبيل المثال: إعادة النظام الإقتصادى المختلط الذى يجمع بين الإشتراكية والرأسمالية، و يطبق نظم الملكيات و القطاعات العامة القادرة على استيعاب كل هذه الأعداد من البشر وهذا طبعاً لا يتعارض مع المنشئات الخاصة ولا يضر بالإستثمارات الأخرى العالمية أو المحلية؛ والسبب فى المطالبة بذلك تعود لاسباب عده أهمها: أن الجيش والقطاع العام-كهياكل لها أهداف اجتماعية غير هادفة للربح - ملائمة لواقع الكثيرين وتساعد فى ترقية الشعوب نظاميا وتعميق إحساسهم بالأنتماء والوطنية و الملكية، وفى إشعارهم بالعدالة والمساواة والأمان الإجتماعى، وليس معنى أننا أخطئنا فى إدارة هذا القطاع من قبل؛أن العيب كامن فيه، ومع ذلك يمكن تلافى عيوبه من خلال ما عرض لنا من خبرة السابقة ، ولكن لا يمكن أغفال دورهاتين المؤسستين فى إعادة النظام وترقية المجتمعات الفقيرة دون الدخول فى حلول أمنية لا تفيد، ودون اللجوء لإستيراد مزيد من الظلم والإستدانة والتبعية لصناديق الإستعمار التى تضخ المشاكل للحكومات وتمص الدماء من الشعوب.

ليست هناك تعليقات: