الخميس، 10 ديسمبر 2009

دانتيلا خشنه



دانتيلا خشنه
انا والحبيب - رواية لعمرو عبد السميع

‮"‬أنا والحبيب‮" ‬رواية أهداها لي صديقي عمرو عبدالسميع الذي كنت أظنه ـ جهلا مني ـ باحثًا وصحفيا ومحاورًا ومتخصصًا في العلوم السياسية فقط،‮ ‬فتعجبت من جراءته لخوض عالم الروايات ذلك العالم الذي‮ ‬يحتاج أدوات لم أكن أظنه‮ ‬يملكها‮! ‬وألقيت الرواية بجواري انتظر فرصة لأقرأها اتصورها لن تعجبني وأني في النهاية سأجامله‮ "‬بكلمتين‮" ‬باردتين حتي لا‮ ‬يغضب مني صديقي وسينتهي الأمر‮! ‬وظلت الرواية بجواري بغلافها الصامت لا تناديني ولا أسعي إليها،‮ ‬يؤرقني فقط ما الذي سأقوله له حين التقيه مصادفة أو أحادثه في التليفون،‮ ‬يؤرقني ما الذي سأقوله له حتي لا‮ ‬يغضب مني فهذا جل ما‮ ‬يهمني‮!‬

وفي إجازة العيد سافرت بعيدًا عن القاهرة وصخبها وأخذت الرواية معي مصممة علي الانتهاء منها فبعد تلك الإجازة لن‮ ‬يكون لي عذر مع صديقي ولن أقوي علي تبرير تجاهل روايته وسيغضب مني،‮ ‬لذا لابد من قراءتها‮!‬

وفي أمسية دافئة أمام البحر فتحت صفحتها الأولي ومرت ساعات طويلة وأنا معتقلة بين صفحاتها ألهث مع أحداثها حتي خبطت علي صدري ـ بحق ودون مبالغة ـ في سطرها الأخير‮ "‬يا نهار أسود‮" ‬وانتهت الرواية واشرقت شمس اليوم الجديد‮.‬

رواية‮ "‬أنا والحبيب‮" ‬تقرأها صفحات وراء صفحات فلا تجد‮ "‬الحبيب‮" ‬الذي كتبت الرواية عنه،‮ ‬صفحات وراء صفحات توغل في عالم محكم شيده عمرو عبدالسميع بلغة عربية راقية بليغة مفصحة ليس فقط عن امتلاكه لأدواته الدرامية والفنية بل أيضًا عن امتلاكه لناصية اللغة التي طوع مفرداتها واستخدمها في أوصاف وحوارات لم نكن نتصور لغتنا العربية الفخمة الرصينة تصلح لوصفها أو الحديث عنها‮!‬

صفحات وراء صفحات‮ ‬يسحبك‮ ‬يشدك‮ ‬يجرك عمرو عبدالسميع خلف أبطاله الكثر‮ ‬يكشف سترهم أسرارهم أوجاعهم تناقضهم سقوطهم هزيمتهم‮ ‬يلهث وأنت خلفه وأنت وهو خلفهم تغوص في ذلك العالم الخاص وقبيل السطر الأخير للرواية تكتشف تندهش تفهم ما الذي قصده عمرو من ذلك العنوان الرومانسي لعالمه الواقعي الموجع الذي اختطفك بين وحشته ووجعه وأحداثه‮!‬

لا أعرف من أي خيوط نسج عمرو عبدالسميع تشابكات تلك الرواية،‮ ‬من أي خيوط نسج هذا العالم الموحش المتوحش الحميم الموجع،‮ ‬هذه الشخصيات الحقيقية الموجودة المهزومة الموجوعة الموجعة،‮ ‬هذا العالم الحقيقي الشعبي الواقعي الكريه الحبيب‮.. ‬نسجها من دموعنا من أبيات شعرنا من أرقنا وكوابيس ليلنا؟ نسجها من هزيمتنا وجروحنا المتقيحة ومراراتنا وخيبة أملنا؟ نسجها من أحلامنا التي اجهضتها الأنياب المتوحشة لزمن دخيل كريه حاصرنا وأوسعنا،‮ ‬ضرباً‮ ‬واحتل حياتنا واحتلنا؟ نسجها من دفء وحميمية بيوت تراصت بجوار بعضها تساندت بالهم تشاركت في المحن تقاسمت قلوبها المجروحة بطعنات‮ ‬غادرة لم تتوقعها فكادت البيوت تتهاوي تدفن تحتها بشرها الطيبين لكنها بقيت لم تسقط حتي الآن لكنها لا تسترهم ولا تحميهم؟

كتاب صغير صفحاته مليئة بالوجع‮.. ‬يسير أبطاله فوق شظايا بقايا مرآة‮ "‬مدغدغة‮" ‬مفتتة مكسورة كمثل واقعنا حياتنا،‮ ‬يسيرون بتعال‮ ‬احيانا بوجع باستسلام بتمرد احيانًا أخري،‮ ‬منهزمين منكسرين مستسلمين تماما لأقدارهم المخيفة التي وضعهم عمرو عبدالسميع علي بداية طرقها الموحشة راصدًا ما سيحدث لهم واصفا له دون لي لعنق الأحداث أو اصطناع لها‮ ‬يضعهم علي بداية الطرق الموحشة واثقا من شكل نهاياتهم المخيفة لكنه لا‮ ‬يملك لهم فرارًا ولا مهربًا بل‮ ‬يكاد‮ ‬يقول وسط سطوره وكلماته وعباراته‮ "‬ليتني أملك لهم ولنا مهربا أو مخرجا أو مفرا‮"!‬ من أين أتي عمرو بشظاياه المفتتة التي نسج كل أحداث الرواية من وجعها؟ هل كانت المرآة مكسورة فعلا دون أن‮ ‬ينتبه لعيبها مرضها ووهنها وضعفها أحد فيضربها عمرو عبدالسميع بقبضته فتهاوت شظاياها في وجوهنا قلوبنا،‮ ‬هل كانت المرآة مشروخة تنتظر لفحة هواء تمر عليها لتتبعثر فنفخ فيها عمرو برقة‮ ‬يعرف أن نفخته الحنونة ستتحول لإعصار عات‮ ‬يبعثر شظايا المرآة في حياتنا أنصالاً‮ ‬مشحوذة تجرحنا تؤلمنا تدمينا؟ هل كانت المرآة تبدو سليمة‮ ‬يحتلها الموت‮ "‬سرطان‮" ‬ينهشها تنتظر نظرة عميقة من عين مبصرة حقيقية حتي تتبعثر ذرات مشحوذة فلملمها عمرو بدقة وبراعة وصبر وتأن وتحفظ ووجل وأطلق شخصياته تسير فوقها دامية العينين والقلب ونسج من كل هذا لوحته الحقيقية الموحشة‮ "‬أنا والحبيب"؟

ما هذا العالم الغريب الذي كتب عنه‮! ‬هل هو عالم‮ ‬غريب‮! ‬ما هذا العالم الواقعي القبيح الذي وصفه‮! ‬هل اصطنعه من عندياته استحدث مفرداته من خيال إبداعه الوهمي؟ ما هذا العالم الموحش الذي نعيشه ووصفه في الرواية‮!‬

نعم الكثيرات هن‮ "‬إيمان‮" ‬التي تمردت علي أبويها ومبادئهما مدفوعة بإغواءات وإغراءات كسرتها وحطت من قدرها ـ أو هكذا ظنت ـ طيلة الوقت بين أناس لا‮ ‬يفهمون للمبادئ قيمة ولا للتاريخ معني ولا للاحترام ثمنًا،‮ ‬هي وسطهم‮ ‬غريبة شاذة بكامل ملابسها علي شاطئ العراة بعد أن اختصرت نفسها في حذاء بال وثوب قديم ونظرة سخرية لم تتحملها،‮ ‬فسايرتهم وتمردت علي أخلاقها علي نفسها وسقطت طوعا تحت أقدام الرقيع الفارغ‮ ‬هروبا من الآخر الذي أحبها ولم تدرك قيمة حبه في زمن لا‮ ‬يباع الحب فيه وليس لمشاعره ثمن سقطت تحت أقدام الرقيع هروبا من حالم‮ ‬ينتظر نبيا‮ ‬يحمل سيفا لا تشاركه حلمه فالسيف الذي سيأتي به النبي لن‮ ‬يمنحها حذاء جديدًا ولن‮ ‬يمنحها مكانة مرموقة وسط الفاسدين ولن‮ ‬يفرض احترامها علي الجميع،‮ ‬فسقطت باختيارها‮.. ‬سقطت وأسقطت معها حصونا ومبادئ وأسرة وحلمًا‮!‬

نعم الكثيرات هن‮ "‬كريمة‮" ‬التي كذبت وكذبت وأقنعت أهلها زورا أنها الفتاة الطيبة الصالحة وهي العاهرة بوعي وارادة،‮ ‬تحررت من أخلاق الأسرة تلك الأخلاق التي مكانها المتاحف وكتب التاريخ البالية ومنحت جسدها لكل من سيحقق لها جزءا من أحلامها الحقيرة في زمن تعتبر الحقارة والفساد والانحراف أجمل أوسمته،‮ ‬وانهي عمرو رحلة‮ "‬كريمة‮" ‬العاهرة في حضن الوزير العاهر الذي بني مجده علي ابتزاز حقير وفحش علني هي أحجار هرمه صعد علي رقاب الآخرين لمكانته العفنة العالية،‮ ‬أنهي عمرو رحلة العاهرة في حضن العاهر في فراشه في منزله فأضاع عقل الأستاذة المقهورة التي تزوجته قهرا ثمنا لصمته عن فضيحة‮ ‬يستحقها أخوها وزوجته لكن أخاها قدمها قربانا للعاهر لضمان صمته عن عهر زوجته وفضيحتها التي تستحقها،‮ ‬العاهر الذي صار وزيرًا‮ ‬يمارس كل عهره محتميًا بالسلطة بقدرته علي ابتزاز الآخرين فضحهم التلذذ بأكل لحومهم بأسنانه أمامهم بما فيهم زوجته التي تحملت وصمتت وقهرت ثم عجزت عن الاحتفاظ بعقلها أمام إصرار علي العهر وزهوه بالفجر مخترقا مجتاحا جميع مساحاتها الخاصة حتي‮ ‬غرفة نومها بصحبة كريمة العاهرة التي شاركت الوزير العاهر الإطاحة ببقية عقل الأستاذة المقهورة التي حاولت الفرار من العهر والعنف المحيطين بها وخلق عالمها الخاص بالتدريس والانكفاء علي نفسها فيه حتي هزمت هزيمتها الأخيرة في‮ ‬غرفة نومها فعادت لأصولها القديمة المتعالية وارتدت ثوب جدتها ولوحت بمروحتها في وجه الروائح النتنة التي حاصرتها وفضلت الجنون علي تعقلهم المنحط‮!‬

نعم الكثيرات هن‮ "‬رضية‮" ‬الفتاة الجامعية التي قهرتها الجامعة‮ "‬المجانية‮" ‬متحالفة مع الفقر وطين الحواري وزملائها افرازات الطبقات الفاسدة الثرية،‮ ‬فلم تجد أمامها لحماية نفسها ـ أو هكذا ظنت ـ إلا الماضي وشيوخه والحاضر وأمراءه،‮ ‬لم تجد إلا التطرف ملاذا للتعالي علي الآخرين الجهلة الكفرة،‮ ‬ملاذا للتعالي علي قهرهم لها وعدم انتباههم لوجودها،‮ ‬فكأنها قررت أن تتعالي عليهم ـ وهي خالية الوفاض من أي أسلحة للتعالي للانتقام ـ بالغيب في الماضي وشعاراته فترتدي الخمار وتخرج من مسابقات الجمال وعروض الأزياء وتسلم عقلها ثم قلبها وبدنها لآخر‮ ‬يقودها للرذيلة والانحراف تحت زيف التقوي والتدين وتكفير الآخرين الصامتين عجزا والمشاركين ببلادة والمحتفين فحشا بعهر الآخرين جميعهم كفرة،‮ ‬الأسرة الدولة،‮ ‬الأسرة التي لم تمنحها وضعا اجتماعيًا متميزًا مثل الآخرين وثراءً‮ ‬وفستانًا أنيقًا والدولة التي اتاحت للآخرين السطوة والهيبة والفساد والنفوذ ليقهروها هي وكل من علي شاكلتها،‮ ‬الكثيرات هن‮ "‬رضية‮" ‬التي ادخلها عمرو عبدالسميع في معركة طبقية تحت شعارات دينية واتاح لها سقوطًا سهلاً‮ ‬بضمير مستريح في‮ ‬غرفة الدعوة وعلي أرضها وفتح لها أحضان الشيخ أو الأمير وأتاح لها جسده ومكنه من جسدها تمسكا بأواصر الدين الفضيل في مواجهة مجتمع كفروه فعاثوا فسادا في الأرض تعاليا عن الفقر والثراء والعالم الزائل‮!‬

‮"‬عمرو عبدالسميع‮" ‬القاسي،‮ ‬أتي بهؤلاء الفتيات من أسر قبضت علي مبادئها كالجمر من النار في زمن‮ ‬يضع الجميع أيديهم في المياه المثلجة،‮ ‬أم خاضت معركة تعليمها مع مجتمع صعيدي متحفظ خاضت المعركة وكسبتها وتعلمت واشتغلت واختارت زوجها قهرا لتقاليد أسرتها ومجتمعها أثناء معسكر تثقيف سياسي في الحقبة الناصرية،‮ ‬هذه الأم المتمردة المتعلمة والأب صاحب المبادئ الذي آمن بالثورة واستمر‮ ‬يردد مبادئها،‮ ‬انجبا‮ "‬إيمان‮" ‬التي نامت باختيارها تحت أقدام الشباب الرقيع ابن العاهر،‮ ‬وانجبا‮ "‬رضية‮" ‬التي تعالت علي فقرها المزركش بالمبادئ المحترمة وفرت من عالمهم الكافر لاحضان الشيخ الحبيب‮! ‬يا لها قسوة من الكاتب الذي هزم الأبوين مرتين،‮ ‬مرة حين انقلبت الدنيا علي مبادئهما وهزمت أفكارهما وحوصرا بالفساد والكذب والزيف ومرة ثانية حين هزم أولادهما وأسقطهم في شباك المجتمع المتوحش كأنه‮ ‬يقول للأبوين السيدة المتمردة والأب صاحب المبادئ إن الهزيمة النكراء قدركما،‮! ‬ايالقسوة هذا المؤلف المتوجع بالألم‮! ‬لكنه‮ ‬يوجعهم لينبه الآخرين،‮ ‬لا ترتاحوا،‮ ‬لا تخلدوا للسكون،‮ ‬لا تتوقعوا انتصارات وهمية فالمبادئ وحدها لا تكفي لإنقاذكم أو إنقاذ أولادكم‮! ‬افيقوا‮! ‬إنه‮ ‬ينبه الآخرين بالسكين المخضب بدماء الضحايا التي هزمتها الأيام،‮ ‬يعلق الجثث علي باب زويلة كي‮ ‬ينتبه الجميع لقدر الخطر المحدق بهم جميعًا‮!‬

‮ "‬عمرو عبدالسميع‮" ‬القاسي،‮ ‬قتل‮ "‬اجضية‮" ‬بيد زوجها،‮ ‬قتلها حين قررت الدفاع عن شرف ابنتها‮ "‬كريمة العاهرة‮" ‬والانتقام من الوزير الذي شاركها جريمتها الأخلاقية المنحطة واشتري أخلاقها وشرفها اللذين باعتهما كريمة بلا ثمن‮! ‬قتلها بيد زوجها الذي كان محاربا ثم سرقت ثمار تضحياته وهو وكل المحاربين الشرفاء وأكلها الوزير العاهر وطبقته ومريدوه في بطونهم الواسعة النتنة،‮ ‬قتلها بيد زوجها‮ "‬دياب‮" ‬المحارب الذي قنع بضرب السلامات ومنح التحايا لمن لا‮ ‬يستحقها،‮ ‬فكأن‮ "‬عمرو‮" ‬قتل الزوجين مائة مرة،‮ ‬قتل الزوجة التي حاولت الانتقام لشرف ابنتها كان‮ ‬يقول لنا إن ذلك السقوط الإرادي من كريمة ليس له ثمن ولا‮ ‬يجوز معاقبة من شاركها السقوط لأنها مسئولة عنه وقبلته وسعت إليه،‮ ‬فلا‮ ‬يجوز للأم الانتقام لشرف باعته صاحبته بكامل وعيها وارادتها،‮ ‬قتل الزوجة برصاصة الزوج الذي سعي لأكل العيش في خدم الوزير‮ ‬يري قاذوراته وزيفه وفساده وانحرافه لكنه‮ ‬يدافع عنه ويحميه،‮ ‬قتل‮ "‬دياب‮" ‬المحارب انه استبدل الدفاع عن الوطن ذلك الدفاع النبيل بالدفاع عن الفاسدين القذرين ممن سرقوا تضحياته وحكموا البلد وعاثوا فيها فسادا استبدل الدفاع النبيل بالمهام القذرة التي وصلت قمته قذارتها وانحطاطها بقتل أم لشابة شاركها الوزير العاهر سقوطها،‮ ‬فقتل تلك الأم وأي أم أخري مكانها تدافع عن شرف ابنتها وظيفته،‮ ‬قتل عمرو دياب حين فتح عينيه علي طبيعة وظيفته الجديدة وهي الدفاع عن العهر ونفوذه وسلطته وفساده،‮ ‬وحتي تكتمل المأساة و‮ "‬تخرق‮" ‬دلالاتها عين الجميع،‮ ‬يختار عمرو عبدالسميع‮ "‬اجضية‮" ‬الأم الصعيدية زوجة‮ "‬دياب‮" ‬المحارب القديم ويقذفها في طريقه ليقتلها برصاصات وظيفته وهي زوجته وحبيبته وكانت تدافع عن شرف ابنته دفاعا عن رجل عاهر بلا أخلاق استباح جسد ابنته واعتقل ابنه ووأد حريته ولفق له الاتهامات،‮ ‬وهكذا قال عمرو عبدالسميع كلمته الأخيرة في سطر روايته الأخير،‮ ‬إن تلك الأسرة كلها المحارب القديم والصعيدية التي نورت عقلها والابنة التي انحرفت بإرادتها والابن الذي حلم بالنبي الذي‮ ‬يحمل سيفا ثم قهر وضاع وغيب خلف جدران لا تعرف شمسا ولا بارقة أمل،‮ ‬كل هذه الأسرة حطمها ودمرها وأضاعها وهزمها ذلك الرجل الحقير الذي قبل المحارب الدفاع عنه وقتل الأبرياء لصالحه،‮ ‬فلا تعرف في النهاية من قتل من؟؟؟؟؟؟‮!!!! ‬ألم أقل لكم إنه قاسي عمرو عبدالسميع‮!!‬

هاهو‮ "‬الوزير‮" ‬في رواية عمرو عبدالسميع وعالمه الواقعي الموحش رجل فاسد عاهر مبتز صعد السلم الاجتماعي والسياسي حتي مقعد الوزارة مدعوما بقدرته في الابتزاز والخوض في أعراض النساء وقهر زوجته وممارسة الفحش‮!! ‬وما هو‮ "‬رئيس حزب الحرية المعارض‮" ‬ذلك الرجل الذي كان ينتمي لعصر قديم وعائلة عريقة ثم تزوج من سيدة مارست حريتها لحد العهر تنتقم في فراشها من رجل لم تعد تقوي الانتقام منه في الحياة وعرف فضيحتها وعهرها وصمت خوفا من فضيحة تبعثر آخر وجوده الاجتماعي وتلوث اسم أسرته التي‮ ‬غابت عنها الشمس والجاه ولم يعد متبقيا لها إلا اسم تهدده الفضيحة بالمحو والزوال،‮ ‬هذا المعارض للحكومة رئيس حزب الحرية قابل الرجل الذي عاشر زوجته واستباح جسدها،‮ ‬قابله واتفقا علي تمويل‮ ‬أجنبي لنشاط حقوق الإنسان،‮ ‬فكان ذلك الأمريكي ـ بتواطؤ وصمت الحكومة والمعارضة ـ استباح جسد الزوجة وشرف الرجل استباح أفكار الوطن وشرف مثقفيه‮!!‬

هذه هي الحكومة وهذه هي المعارضة في رواية‮ "‬أنا والحبيب‮" ‬كما يراهم المؤلف‮ "‬عمرو عبدالسميع‮" ‬الثائر المتمرد‮ ‬الحالم الموجوع بالهزيمة بسقوط الشعارات بتخاذل الجميع وانهيارهم الطوعي،‮ ‬إنه لايدين أحدًا بعينه،‮ ‬إنه يدين الجميع،‮ ‬يدينهم وفي الوقت نفسه يتفهم مبررات السقوط والهزيمة،‮ ‬لكنه يدين الزمن الذي‮ ‬تبدل ويتمني ـ لكنه لايثق كثيرا ـ يتمني أن تنصلح الاحوال لذا يصرخ‮ "‬أفيقوا‮" ‬لكنه لايثق في نتيجة صرخاته لكنه لايصمت فالصمت هو الانهيار الأخير الذي يرفضه ويخاف منه ويتمرد عليه‮!!‬

في نفس الوقت يحب‮ "‬عمرو عبدالسميع‮" ‬الناس ويثق فيهم ويري ما يملكونه من كنوز وإيجابيات،‮ ‬يحبهم،‮ ‬الناس في الحي الشعبي،‮ ‬المجاملون المتفانون المتعاونون،‮ ‬إنهم يواجهون كل ما يحدث بالتكاتف،‮ ‬حين مرضت‮ "‬حسنات‮" ‬خدموها وتكاتفوا في حبها والسؤال‮ ‬عنها وتقديم كل ما يمكنهم تقديمه وحين ماتت شيعوا جنازتها وأخذوا عزاءها وطبخت نساؤهم وبذل الجهد رجالهم،‮ ‬جميعهم تكاتفوا،‮ ‬عمرو يحب الناس ويثق فيهم،‮ ‬يؤمن بقدراتهم الحقيقية في العطاء،‮ ‬أنهم بشر حقيقون في مواجهة زيف أنهم فقراء لكنهم حقيقيون يطهون أرجل الدجاج التي يرميها الأغنياء لكن هذا لايعيبهم لم يفقدهم روحهم،‮ ‬إنهم بشر حقيقيون أصلاء بلا ثقافة بلا شعارات بلا ضجيج،‮ ‬إنهم يختطفون لقمة عيشهم من فم الاسد لكنهم حقيقيون،‮ ‬يؤمن بهم عمرو ويكاد يتمني يلقي نفسه ويلقينا في أحضانهم كأنهم هم من سيصالحوننا علي الحياة الموحشة،‮ ‬يؤمن بهم ويصدقهم لكن هل يؤمن بقوتهم لانقاذنا‮!!! ‬أشك‮!!!‬

‮"‬أنا والحبيب‮" ‬رواية لاتكشف عن عالم تحكي عنه فحسب بل هي بالأساس تكشف عن انسان خلق هذا العالم ونسج‮ ‬أحداثه،‮ ‬إنسان كنت أظنه بارعًا متفوقًا ينتظر حظه السعيد الذي سيأتي حتما فإذ به يكشف عن حالته الحقيقية عن هزيمته وهزيمتنا التي قتلت حظنا السعيد وتركت لنا القدر الموحش يلهو بنا وبحياتنا وأحلامنا يسطر هزائمنا الواحدة تلو الأخري ونحن قابعون ساكنون نرقب خطواته الباطشة‮!! ‬إنها رواية كشفت عن مؤلف أفصح عن ألمه تحاصره الهزيمة لكنه لايستسلم لها بل يقاومها بكلمات أحد من الانصال يقاومها بأسياخ كوتها النيران وكوتنا فيغرزها في جلودنا السميكة أفيقوا،‮ ‬تكاتفوا وأفيقوا‮!!! ‬إنه يقاوم الهزيمة الحتمية ليس بالفرار الفردي بل‮ ‬باستنهاض الروح الجماعية بإيلامها بشدة علها تفيق أو تكتب شهادة موتها‮!!! ‬فكل ما جمعه‮ "‬عمرو‮" ‬في روايته من شخصيات وأحداث وأوجاع وهزائم وحقائق وأحلام مجهضة وبشر ضائعين وحلم تبدد وزيف تحكم كل ما جمعه عمرو ونعرفه ليس بالضرورة نعرفه بدقة لكننا نعرفه شاهدناه من قبل،‮ ‬لكن عمرو بدأب الصنايعي الاسطي جمع حبات الالم في عقد واحد وعلقه في رقابنا كأنه يقول لايكفيكم ماتعرفونه مبعثرا لا يكفيكم ما تشاهدونه مجزءا،‮ ‬هذه هي الحقيقة الموجعة التي تهربون منها تنكرونها تتجاهلونها إنه العقد الذي يتصوره البعض يزين جيده ويراه البعض يخنق أنفاسه،‮ ‬هذه هي الحقيقة متكاملة الصورة كما أراها وترونها فأفيقوا‮!! ‬نعم أنه يصرح في البرية وفي الأصماء‮ ‬أفيقوا،‮ ‬هذه هي الحقيقة التي تعيشونها،‮ ‬لاتنكروها بعد اليوم لن تقووا علي تجاهلها،‮ ‬جمع حبات الألم في عقد واحد أبي وأبيك أمك وأمي أختك وبنت الجيران ابنك وابن أخيك صديقته زميلتك رئيسك جميعهم هزموا جميعهم انكسروا جميعها باعوا جميعهم انحرفوا تحت كل الشعارات وكل اللافتات جميعهم انهزموا بصرف النظر عن سبب الهزيمة فالهزيمة،‮ ‬قدرهم جميعنا وقدرنا،‮ ‬جميعهم انهاروا جميعهم سقطوا بصرف النظر عن المبررات والحجج والأسانيد التي برر كل منهم لنفسه ذلك السقوط،‮ ‬فالسقوط قدرهم جميعا وقدرنا،‮ ‬إنه جمع حبات الألم في عقد واحد وفقأ عيوننا،‮ ‬لكنه لم‮ ‬يكتب مرثية ولم يفتح مآتم ولم يتقبل العزاء،‮ ‬بل وقف يصرخ أفيقوا،‮ ‬جمع كل الألم في لحظة مكثفة كأنه أوصل أسلاك الضغط العالي في قلوبكم يكهربكم يوجعكم ينبهكم أفيقوا‮!!!‬

إنها الرواية التي كشفت عن‮ "‬المؤلف‮" ‬الثائر المهزوم المحاصر بالهم الزيف‮ ‬بالفحش بالفجاجة،‮ ‬لكن كل هذا لم يخرسه،‮ ‬ربما يراه الآخرون‮ ‬غير ما يري نفسه التي اعتاد تقديمها في صورة المحاضر الأنيق المثقف المتعالي،‮ ‬لكن روايته كشفت عن آخر‮ ‬غير ما يظهر عن ثائر مهزوم موجوع متألم يعنيه الأمر أكثر مما يظهر يهتم بما يحدث حوله أكثر مما يقول،‮ ‬إنه ابن البلد الغارق في طينها حواريها ابن شعبها المتواري بتلال القمامة لايظهر من معدنه الاصيل‮ ‬شيء حتي ظن‮ ‬البلهاء أن القمامة أغرقته وقتلت روحه الأصيلة،‮ ‬إنه ابن البلد‮ ‬الشعبي الثائر المغروس في طين الأرض ذراته ترابها معجونة بدمع الأعين وأسي الليل ووجعه الدائم،‮ ‬غريب هذا الـ"عمرو عبدالسميع‮" ‬الدكتور المثقف‮ ‬الصحفي المذيع البارع المخادع،‮ ‬الذي نجح في أن يخدعني وكنت أظنني أفهم في‮ ‬الناس وأميزهم،‮ ‬فالوهج المنصهر ألما في نفسه لا يظهر أبداً‮ ‬فوق السطح،‮ ‬السخونة البركانية المتفجرة داخل نفسه يغطيها ببراعة فيبدو كأنه حقا لايهتم إلا كمثقف متعال يري الحياة من خلف الألواح الزجاجية المقاومة للرصاص،‮ ‬خدعني وغاضبة أنا من نفسي أنني لم أفهم أغواره‮ ‬دروبها ومسالكها،‮ ‬لكن روايته كشفته كشفت حقيقته معدنه الأصيل روحه الثائرة كشفت وجعه ألمه ضعفه كشفت اصراره قوته إلحاحه تمرده ثورته،‮ ‬روايته كشفته بوهجها الخاص جداً،‮ ‬كأنه كان يقبع في الظلام فلا يراه أحد فألقت عليه الرواية بقعة ضوء،‮ ‬أو كأنه كان يجلس تحت الأضواء المبهرة فأعمت عن حقيقته العيون فجاءت الرواية وقالت إنه يري ويهتم ويقول لكن بطريقته الخاصة جداً‮!!‬

‮"‬أنا والحبيب‮" ‬هل هذا اسم الكراسات التي كتب فيها‮ "‬أسامة‮" ‬البطل الحالم حبه لإيمان‮!! ‬أم أن هذا عنوان العلاقة الموجعة بين عمرو عبدالسميع والوطن الذي يحبه لكنه يوجعه‮!! ‬كدت أخدع ثانية وأصدق أن عنوان الرواية هو عنوان كراسات‮ "‬أسامة‮" ‬لكني انتبهت أخيراً‮ ‬لبراعة عمرو وقدرته علي المراوغة فانتهيت‮ ‬إلي أن‮ "‬أنا والحبيب‮" ‬هو عنوان الوجع الذي يعيشه عمرو عبدالسميع ونعيشه جميعا‮!! ‬فكل حزننا ووجعنا وهمنا وهزيمتنا وتمردنا وثورتنا واحباطنا واكتئاباتنا سببها‮ "‬أنا والحبيب‮"!!!‬

‮"‬أنا والحبيب‮" ‬رواية من نسيج خاص جداً‮ ‬جداً،‮ ‬موجع لكنه في الحقيقة يطيب الجراح مهزوم لكنه يصرخ بالمقاومة والتمرد‮!! ‬يبدو وكأنه عالم قبيح لكنه حياتنا التي نعيشها وليست كلها قبحا‮!! ‬انها دانتيلا خشنة‮!! ‬منسوجة بدقة بعناية ببراعة باهتمام منسوجة من دموعنا وأوجاعنا وألمنا واحباطنا‮!! ‬منسوجة من شظايا المرايا المبعثرة التي تظهر صورتنا من انصال‮ ‬مكسورة في الجلود السميكة من قبول خاضع وهزيمة نكراء‮! ‬منسوجة من عالم حقيقي موحش متوحش لكنها لاتحزنك بل تصدمك تقهرك توقظ في روحك الرغبة علي المقاومة والتمرد وعدم الاستسلام لكل هؤلاء العواهر الذين يتصورون أنهم انتصروا علينا وانتهي الأمر‮!!!‬

‮"‬أنا والحبيب‮" ‬دانتيلا خشنة‮ ‬نسجت بيد‮ ‬غزال نساج فنان بارع لن يقوي ثانية علي مواراة نفسه وخداع الآخرين فقد كشفت روايته عن وجعه وهمه وحقيقته‮!!‬

نشرت هذه المقاله فيالعدد 1354 الخميس - 10 ديسمبر 2009
http://www.rosaonline.net/Daily/News.asp?id=33219

ليست هناك تعليقات: