


مدونه قوس قزح ملون
الكتاب الاول انا والوطن وخمسون عاما
الكتاب الثاني طبعا ذنب الحكومه
الكتاب الثالث نفسي الدنيا تصالحنا
معرض الكتاب 2010
مكتبه البلد
دار المحروسه للنشر
.............................. مدونة لاميرة بهي الدين ، انشر فيها مقالاتي ومقالات الاخرين وفيديوهات و مايعجبني ويعجب رأسي .....



"أنا والحبيب" رواية أهداها لي صديقي عمرو عبدالسميع الذي كنت أظنه ـ جهلا مني ـ باحثًا وصحفيا ومحاورًا ومتخصصًا في العلوم السياسية فقط، فتعجبت من جراءته لخوض عالم الروايات ذلك العالم الذي يحتاج أدوات لم أكن أظنه يملكها! وألقيت الرواية بجواري انتظر فرصة لأقرأها اتصورها لن تعجبني وأني في النهاية سأجامله "بكلمتين" باردتين حتي لا يغضب مني صديقي وسينتهي الأمر! وظلت الرواية بجواري بغلافها الصامت لا تناديني ولا أسعي إليها، يؤرقني فقط ما الذي سأقوله له حين التقيه مصادفة أو أحادثه في التليفون، يؤرقني ما الذي سأقوله له حتي لا يغضب مني فهذا جل ما يهمني!
وفي إجازة العيد سافرت بعيدًا عن القاهرة وصخبها وأخذت الرواية معي مصممة علي الانتهاء منها فبعد تلك الإجازة لن يكون لي عذر مع صديقي ولن أقوي علي تبرير تجاهل روايته وسيغضب مني، لذا لابد من قراءتها!
وفي أمسية دافئة أمام البحر فتحت صفحتها الأولي ومرت ساعات طويلة وأنا معتقلة بين صفحاتها ألهث مع أحداثها حتي خبطت علي صدري ـ بحق ودون مبالغة ـ في سطرها الأخير "يا نهار أسود" وانتهت الرواية واشرقت شمس اليوم الجديد.
رواية "أنا والحبيب" تقرأها صفحات وراء صفحات فلا تجد "الحبيب" الذي كتبت الرواية عنه، صفحات وراء صفحات توغل في عالم محكم شيده عمرو عبدالسميع بلغة عربية راقية بليغة مفصحة ليس فقط عن امتلاكه لأدواته الدرامية والفنية بل أيضًا عن امتلاكه لناصية اللغة التي طوع مفرداتها واستخدمها في أوصاف وحوارات لم نكن نتصور لغتنا العربية الفخمة الرصينة تصلح لوصفها أو الحديث عنها!
صفحات وراء صفحات يسحبك يشدك يجرك عمرو عبدالسميع خلف أبطاله الكثر يكشف سترهم أسرارهم أوجاعهم تناقضهم سقوطهم هزيمتهم يلهث وأنت خلفه وأنت وهو خلفهم تغوص في ذلك العالم الخاص وقبيل السطر الأخير للرواية تكتشف تندهش تفهم ما الذي قصده عمرو من ذلك العنوان الرومانسي لعالمه الواقعي الموجع الذي اختطفك بين وحشته ووجعه وأحداثه!
لا أعرف من أي خيوط نسج عمرو عبدالسميع تشابكات تلك الرواية، من أي خيوط نسج هذا العالم الموحش المتوحش الحميم الموجع، هذه الشخصيات الحقيقية الموجودة المهزومة الموجوعة الموجعة، هذا العالم الحقيقي الشعبي الواقعي الكريه الحبيب.. نسجها من دموعنا من أبيات شعرنا من أرقنا وكوابيس ليلنا؟ نسجها من هزيمتنا وجروحنا المتقيحة ومراراتنا وخيبة أملنا؟ نسجها من أحلامنا التي اجهضتها الأنياب المتوحشة لزمن دخيل كريه حاصرنا وأوسعنا، ضرباً واحتل حياتنا واحتلنا؟ نسجها من دفء وحميمية بيوت تراصت بجوار بعضها تساندت بالهم تشاركت في المحن تقاسمت قلوبها المجروحة بطعنات غادرة لم تتوقعها فكادت البيوت تتهاوي تدفن تحتها بشرها الطيبين لكنها بقيت لم تسقط حتي الآن لكنها لا تسترهم ولا تحميهم؟
كتاب صغير صفحاته مليئة بالوجع.. يسير أبطاله فوق شظايا بقايا مرآة "مدغدغة" مفتتة مكسورة كمثل واقعنا حياتنا، يسيرون بتعال احيانا بوجع باستسلام بتمرد احيانًا أخري، منهزمين منكسرين مستسلمين تماما لأقدارهم المخيفة التي وضعهم عمرو عبدالسميع علي بداية طرقها الموحشة راصدًا ما سيحدث لهم واصفا له دون لي لعنق الأحداث أو اصطناع لها يضعهم علي بداية الطرق الموحشة واثقا من شكل نهاياتهم المخيفة لكنه لا يملك لهم فرارًا ولا مهربًا بل يكاد يقول وسط سطوره وكلماته وعباراته "ليتني أملك لهم ولنا مهربا أو مخرجا أو مفرا"! من أين أتي عمرو بشظاياه المفتتة التي نسج كل أحداث الرواية من وجعها؟ هل كانت المرآة مكسورة فعلا دون أن ينتبه لعيبها مرضها ووهنها وضعفها أحد فيضربها عمرو عبدالسميع بقبضته فتهاوت شظاياها في وجوهنا قلوبنا، هل كانت المرآة مشروخة تنتظر لفحة هواء تمر عليها لتتبعثر فنفخ فيها عمرو برقة يعرف أن نفخته الحنونة ستتحول لإعصار عات يبعثر شظايا المرآة في حياتنا أنصالاً مشحوذة تجرحنا تؤلمنا تدمينا؟ هل كانت المرآة تبدو سليمة يحتلها الموت "سرطان" ينهشها تنتظر نظرة عميقة من عين مبصرة حقيقية حتي تتبعثر ذرات مشحوذة فلملمها عمرو بدقة وبراعة وصبر وتأن وتحفظ ووجل وأطلق شخصياته تسير فوقها دامية العينين والقلب ونسج من كل هذا لوحته الحقيقية الموحشة "أنا والحبيب"؟
ما هذا العالم الغريب الذي كتب عنه! هل هو عالم غريب! ما هذا العالم الواقعي القبيح الذي وصفه! هل اصطنعه من عندياته استحدث مفرداته من خيال إبداعه الوهمي؟ ما هذا العالم الموحش الذي نعيشه ووصفه في الرواية!
نعم الكثيرات هن "إيمان" التي تمردت علي أبويها ومبادئهما مدفوعة بإغواءات وإغراءات كسرتها وحطت من قدرها ـ أو هكذا ظنت ـ طيلة الوقت بين أناس لا يفهمون للمبادئ قيمة ولا للتاريخ معني ولا للاحترام ثمنًا، هي وسطهم غريبة شاذة بكامل ملابسها علي شاطئ العراة بعد أن اختصرت نفسها في حذاء بال وثوب قديم ونظرة سخرية لم تتحملها، فسايرتهم وتمردت علي أخلاقها علي نفسها وسقطت طوعا تحت أقدام الرقيع الفارغ هروبا من الآخر الذي أحبها ولم تدرك قيمة حبه في زمن لا يباع الحب فيه وليس لمشاعره ثمن سقطت تحت أقدام الرقيع هروبا من حالم ينتظر نبيا يحمل سيفا لا تشاركه حلمه فالسيف الذي سيأتي به النبي لن يمنحها حذاء جديدًا ولن يمنحها مكانة مرموقة وسط الفاسدين ولن يفرض احترامها علي الجميع، فسقطت باختيارها.. سقطت وأسقطت معها حصونا ومبادئ وأسرة وحلمًا!
نعم الكثيرات هن "كريمة" التي كذبت وكذبت وأقنعت أهلها زورا أنها الفتاة الطيبة الصالحة وهي العاهرة بوعي وارادة، تحررت من أخلاق الأسرة تلك الأخلاق التي مكانها المتاحف وكتب التاريخ البالية ومنحت جسدها لكل من سيحقق لها جزءا من أحلامها الحقيرة في زمن تعتبر الحقارة والفساد والانحراف أجمل أوسمته، وانهي عمرو رحلة "كريمة" العاهرة في حضن الوزير العاهر الذي بني مجده علي ابتزاز حقير وفحش علني هي أحجار هرمه صعد علي رقاب الآخرين لمكانته العفنة العالية، أنهي عمرو رحلة العاهرة في حضن العاهر في فراشه في منزله فأضاع عقل الأستاذة المقهورة التي تزوجته قهرا ثمنا لصمته عن فضيحة يستحقها أخوها وزوجته لكن أخاها قدمها قربانا للعاهر لضمان صمته عن عهر زوجته وفضيحتها التي تستحقها، العاهر الذي صار وزيرًا يمارس كل عهره محتميًا بالسلطة بقدرته علي ابتزاز الآخرين فضحهم التلذذ بأكل لحومهم بأسنانه أمامهم بما فيهم زوجته التي تحملت وصمتت وقهرت ثم عجزت عن الاحتفاظ بعقلها أمام إصرار علي العهر وزهوه بالفجر مخترقا مجتاحا جميع مساحاتها الخاصة حتي غرفة نومها بصحبة كريمة العاهرة التي شاركت الوزير العاهر الإطاحة ببقية عقل الأستاذة المقهورة التي حاولت الفرار من العهر والعنف المحيطين بها وخلق عالمها الخاص بالتدريس والانكفاء علي نفسها فيه حتي هزمت هزيمتها الأخيرة في غرفة نومها فعادت لأصولها القديمة المتعالية وارتدت ثوب جدتها ولوحت بمروحتها في وجه الروائح النتنة التي حاصرتها وفضلت الجنون علي تعقلهم المنحط!
نعم الكثيرات هن "رضية" الفتاة الجامعية التي قهرتها الجامعة "المجانية" متحالفة مع الفقر وطين الحواري وزملائها افرازات الطبقات الفاسدة الثرية، فلم تجد أمامها لحماية نفسها ـ أو هكذا ظنت ـ إلا الماضي وشيوخه والحاضر وأمراءه، لم تجد إلا التطرف ملاذا للتعالي علي الآخرين الجهلة الكفرة، ملاذا للتعالي علي قهرهم لها وعدم انتباههم لوجودها، فكأنها قررت أن تتعالي عليهم ـ وهي خالية الوفاض من أي أسلحة للتعالي للانتقام ـ بالغيب في الماضي وشعاراته فترتدي الخمار وتخرج من مسابقات الجمال وعروض الأزياء وتسلم عقلها ثم قلبها وبدنها لآخر يقودها للرذيلة والانحراف تحت زيف التقوي والتدين وتكفير الآخرين الصامتين عجزا والمشاركين ببلادة والمحتفين فحشا بعهر الآخرين جميعهم كفرة، الأسرة الدولة، الأسرة التي لم تمنحها وضعا اجتماعيًا متميزًا مثل الآخرين وثراءً وفستانًا أنيقًا والدولة التي اتاحت للآخرين السطوة والهيبة والفساد والنفوذ ليقهروها هي وكل من علي شاكلتها، الكثيرات هن "رضية" التي ادخلها عمرو عبدالسميع في معركة طبقية تحت شعارات دينية واتاح لها سقوطًا سهلاً بضمير مستريح في غرفة الدعوة وعلي أرضها وفتح لها أحضان الشيخ أو الأمير وأتاح لها جسده ومكنه من جسدها تمسكا بأواصر الدين الفضيل في مواجهة مجتمع كفروه فعاثوا فسادا في الأرض تعاليا عن الفقر والثراء والعالم الزائل!
"عمرو عبدالسميع" القاسي، أتي بهؤلاء الفتيات من أسر قبضت علي مبادئها كالجمر من النار في زمن يضع الجميع أيديهم في المياه المثلجة، أم خاضت معركة تعليمها مع مجتمع صعيدي متحفظ خاضت المعركة وكسبتها وتعلمت واشتغلت واختارت زوجها قهرا لتقاليد أسرتها ومجتمعها أثناء معسكر تثقيف سياسي في الحقبة الناصرية، هذه الأم المتمردة المتعلمة والأب صاحب المبادئ الذي آمن بالثورة واستمر يردد مبادئها، انجبا "إيمان" التي نامت باختيارها تحت أقدام الشباب الرقيع ابن العاهر، وانجبا "رضية" التي تعالت علي فقرها المزركش بالمبادئ المحترمة وفرت من عالمهم الكافر لاحضان الشيخ الحبيب! يا لها قسوة من الكاتب الذي هزم الأبوين مرتين، مرة حين انقلبت الدنيا علي مبادئهما وهزمت أفكارهما وحوصرا بالفساد والكذب والزيف ومرة ثانية حين هزم أولادهما وأسقطهم في شباك المجتمع المتوحش كأنه يقول للأبوين السيدة المتمردة والأب صاحب المبادئ إن الهزيمة النكراء قدركما،! ايالقسوة هذا المؤلف المتوجع بالألم! لكنه يوجعهم لينبه الآخرين، لا ترتاحوا، لا تخلدوا للسكون، لا تتوقعوا انتصارات وهمية فالمبادئ وحدها لا تكفي لإنقاذكم أو إنقاذ أولادكم! افيقوا! إنه ينبه الآخرين بالسكين المخضب بدماء الضحايا التي هزمتها الأيام، يعلق الجثث علي باب زويلة كي ينتبه الجميع لقدر الخطر المحدق بهم جميعًا!
"عمرو عبدالسميع" القاسي، قتل "اجضية" بيد زوجها، قتلها حين قررت الدفاع عن شرف ابنتها "كريمة العاهرة" والانتقام من الوزير الذي شاركها جريمتها الأخلاقية المنحطة واشتري أخلاقها وشرفها اللذين باعتهما كريمة بلا ثمن! قتلها بيد زوجها الذي كان محاربا ثم سرقت ثمار تضحياته وهو وكل المحاربين الشرفاء وأكلها الوزير العاهر وطبقته ومريدوه في بطونهم الواسعة النتنة، قتلها بيد زوجها "دياب" المحارب الذي قنع بضرب السلامات ومنح التحايا لمن لا يستحقها، فكأن "عمرو" قتل الزوجين مائة مرة، قتل الزوجة التي حاولت الانتقام لشرف ابنتها كان يقول لنا إن ذلك السقوط الإرادي من كريمة ليس له ثمن ولا يجوز معاقبة من شاركها السقوط لأنها مسئولة عنه وقبلته وسعت إليه، فلا يجوز للأم الانتقام لشرف باعته صاحبته بكامل وعيها وارادتها، قتل الزوجة برصاصة الزوج الذي سعي لأكل العيش في خدم الوزير يري قاذوراته وزيفه وفساده وانحرافه لكنه يدافع عنه ويحميه، قتل "دياب" المحارب انه استبدل الدفاع عن الوطن ذلك الدفاع النبيل بالدفاع عن الفاسدين القذرين ممن سرقوا تضحياته وحكموا البلد وعاثوا فيها فسادا استبدل الدفاع النبيل بالمهام القذرة التي وصلت قمته قذارتها وانحطاطها بقتل أم لشابة شاركها الوزير العاهر سقوطها، فقتل تلك الأم وأي أم أخري مكانها تدافع عن شرف ابنتها وظيفته، قتل عمرو دياب حين فتح عينيه علي طبيعة وظيفته الجديدة وهي الدفاع عن العهر ونفوذه وسلطته وفساده، وحتي تكتمل المأساة و "تخرق" دلالاتها عين الجميع، يختار عمرو عبدالسميع "اجضية" الأم الصعيدية زوجة "دياب" المحارب القديم ويقذفها في طريقه ليقتلها برصاصات وظيفته وهي زوجته وحبيبته وكانت تدافع عن شرف ابنته دفاعا عن رجل عاهر بلا أخلاق استباح جسد ابنته واعتقل ابنه ووأد حريته ولفق له الاتهامات، وهكذا قال عمرو عبدالسميع كلمته الأخيرة في سطر روايته الأخير، إن تلك الأسرة كلها المحارب القديم والصعيدية التي نورت عقلها والابنة التي انحرفت بإرادتها والابن الذي حلم بالنبي الذي يحمل سيفا ثم قهر وضاع وغيب خلف جدران لا تعرف شمسا ولا بارقة أمل، كل هذه الأسرة حطمها ودمرها وأضاعها وهزمها ذلك الرجل الحقير الذي قبل المحارب الدفاع عنه وقتل الأبرياء لصالحه، فلا تعرف في النهاية من قتل من؟؟؟؟؟؟!!!! ألم أقل لكم إنه قاسي عمرو عبدالسميع!!
هاهو "الوزير" في رواية عمرو عبدالسميع وعالمه الواقعي الموحش رجل فاسد عاهر مبتز صعد السلم الاجتماعي والسياسي حتي مقعد الوزارة مدعوما بقدرته في الابتزاز والخوض في أعراض النساء وقهر زوجته وممارسة الفحش!! وما هو "رئيس حزب الحرية المعارض" ذلك الرجل الذي كان ينتمي لعصر قديم وعائلة عريقة ثم تزوج من سيدة مارست حريتها لحد العهر تنتقم في فراشها من رجل لم تعد تقوي الانتقام منه في الحياة وعرف فضيحتها وعهرها وصمت خوفا من فضيحة تبعثر آخر وجوده الاجتماعي وتلوث اسم أسرته التي غابت عنها الشمس والجاه ولم يعد متبقيا لها إلا اسم تهدده الفضيحة بالمحو والزوال، هذا المعارض للحكومة رئيس حزب الحرية قابل الرجل الذي عاشر زوجته واستباح جسدها، قابله واتفقا علي تمويل أجنبي لنشاط حقوق الإنسان، فكان ذلك الأمريكي ـ بتواطؤ وصمت الحكومة والمعارضة ـ استباح جسد الزوجة وشرف الرجل استباح أفكار الوطن وشرف مثقفيه!!
هذه هي الحكومة وهذه هي المعارضة في رواية "أنا والحبيب" كما يراهم المؤلف "عمرو عبدالسميع" الثائر المتمرد الحالم الموجوع بالهزيمة بسقوط الشعارات بتخاذل الجميع وانهيارهم الطوعي، إنه لايدين أحدًا بعينه، إنه يدين الجميع، يدينهم وفي الوقت نفسه يتفهم مبررات السقوط والهزيمة، لكنه يدين الزمن الذي تبدل ويتمني ـ لكنه لايثق كثيرا ـ يتمني أن تنصلح الاحوال لذا يصرخ "أفيقوا" لكنه لايثق في نتيجة صرخاته لكنه لايصمت فالصمت هو الانهيار الأخير الذي يرفضه ويخاف منه ويتمرد عليه!!
في نفس الوقت يحب "عمرو عبدالسميع" الناس ويثق فيهم ويري ما يملكونه من كنوز وإيجابيات، يحبهم، الناس في الحي الشعبي، المجاملون المتفانون المتعاونون، إنهم يواجهون كل ما يحدث بالتكاتف، حين مرضت "حسنات" خدموها وتكاتفوا في حبها والسؤال عنها وتقديم كل ما يمكنهم تقديمه وحين ماتت شيعوا جنازتها وأخذوا عزاءها وطبخت نساؤهم وبذل الجهد رجالهم، جميعهم تكاتفوا، عمرو يحب الناس ويثق فيهم، يؤمن بقدراتهم الحقيقية في العطاء، أنهم بشر حقيقون في مواجهة زيف أنهم فقراء لكنهم حقيقيون يطهون أرجل الدجاج التي يرميها الأغنياء لكن هذا لايعيبهم لم يفقدهم روحهم، إنهم بشر حقيقيون أصلاء بلا ثقافة بلا شعارات بلا ضجيج، إنهم يختطفون لقمة عيشهم من فم الاسد لكنهم حقيقيون، يؤمن بهم عمرو ويكاد يتمني يلقي نفسه ويلقينا في أحضانهم كأنهم هم من سيصالحوننا علي الحياة الموحشة، يؤمن بهم ويصدقهم لكن هل يؤمن بقوتهم لانقاذنا!!! أشك!!!
"أنا والحبيب" رواية لاتكشف عن عالم تحكي عنه فحسب بل هي بالأساس تكشف عن انسان خلق هذا العالم ونسج أحداثه، إنسان كنت أظنه بارعًا متفوقًا ينتظر حظه السعيد الذي سيأتي حتما فإذ به يكشف عن حالته الحقيقية عن هزيمته وهزيمتنا التي قتلت حظنا السعيد وتركت لنا القدر الموحش يلهو بنا وبحياتنا وأحلامنا يسطر هزائمنا الواحدة تلو الأخري ونحن قابعون ساكنون نرقب خطواته الباطشة!! إنها رواية كشفت عن مؤلف أفصح عن ألمه تحاصره الهزيمة لكنه لايستسلم لها بل يقاومها بكلمات أحد من الانصال يقاومها بأسياخ كوتها النيران وكوتنا فيغرزها في جلودنا السميكة أفيقوا، تكاتفوا وأفيقوا!!! إنه يقاوم الهزيمة الحتمية ليس بالفرار الفردي بل باستنهاض الروح الجماعية بإيلامها بشدة علها تفيق أو تكتب شهادة موتها!!! فكل ما جمعه "عمرو" في روايته من شخصيات وأحداث وأوجاع وهزائم وحقائق وأحلام مجهضة وبشر ضائعين وحلم تبدد وزيف تحكم كل ما جمعه عمرو ونعرفه ليس بالضرورة نعرفه بدقة لكننا نعرفه شاهدناه من قبل، لكن عمرو بدأب الصنايعي الاسطي جمع حبات الالم في عقد واحد وعلقه في رقابنا كأنه يقول لايكفيكم ماتعرفونه مبعثرا لا يكفيكم ما تشاهدونه مجزءا، هذه هي الحقيقة الموجعة التي تهربون منها تنكرونها تتجاهلونها إنه العقد الذي يتصوره البعض يزين جيده ويراه البعض يخنق أنفاسه، هذه هي الحقيقة متكاملة الصورة كما أراها وترونها فأفيقوا!! نعم أنه يصرح في البرية وفي الأصماء أفيقوا، هذه هي الحقيقة التي تعيشونها، لاتنكروها بعد اليوم لن تقووا علي تجاهلها، جمع حبات الألم في عقد واحد أبي وأبيك أمك وأمي أختك وبنت الجيران ابنك وابن أخيك صديقته زميلتك رئيسك جميعهم هزموا جميعهم انكسروا جميعها باعوا جميعهم انحرفوا تحت كل الشعارات وكل اللافتات جميعهم انهزموا بصرف النظر عن سبب الهزيمة فالهزيمة، قدرهم جميعنا وقدرنا، جميعهم انهاروا جميعهم سقطوا بصرف النظر عن المبررات والحجج والأسانيد التي برر كل منهم لنفسه ذلك السقوط، فالسقوط قدرهم جميعا وقدرنا، إنه جمع حبات الألم في عقد واحد وفقأ عيوننا، لكنه لم يكتب مرثية ولم يفتح مآتم ولم يتقبل العزاء، بل وقف يصرخ أفيقوا، جمع كل الألم في لحظة مكثفة كأنه أوصل أسلاك الضغط العالي في قلوبكم يكهربكم يوجعكم ينبهكم أفيقوا!!!
إنها الرواية التي كشفت عن "المؤلف" الثائر المهزوم المحاصر بالهم الزيف بالفحش بالفجاجة، لكن كل هذا لم يخرسه، ربما يراه الآخرون غير ما يري نفسه التي اعتاد تقديمها في صورة المحاضر الأنيق المثقف المتعالي، لكن روايته كشفت عن آخر غير ما يظهر عن ثائر مهزوم موجوع متألم يعنيه الأمر أكثر مما يظهر يهتم بما يحدث حوله أكثر مما يقول، إنه ابن البلد الغارق في طينها حواريها ابن شعبها المتواري بتلال القمامة لايظهر من معدنه الاصيل شيء حتي ظن البلهاء أن القمامة أغرقته وقتلت روحه الأصيلة، إنه ابن البلد الشعبي الثائر المغروس في طين الأرض ذراته ترابها معجونة بدمع الأعين وأسي الليل ووجعه الدائم، غريب هذا الـ"عمرو عبدالسميع" الدكتور المثقف الصحفي المذيع البارع المخادع، الذي نجح في أن يخدعني وكنت أظنني أفهم في الناس وأميزهم، فالوهج المنصهر ألما في نفسه لا يظهر أبداً فوق السطح، السخونة البركانية المتفجرة داخل نفسه يغطيها ببراعة فيبدو كأنه حقا لايهتم إلا كمثقف متعال يري الحياة من خلف الألواح الزجاجية المقاومة للرصاص، خدعني وغاضبة أنا من نفسي أنني لم أفهم أغواره دروبها ومسالكها، لكن روايته كشفته كشفت حقيقته معدنه الأصيل روحه الثائرة كشفت وجعه ألمه ضعفه كشفت اصراره قوته إلحاحه تمرده ثورته، روايته كشفته بوهجها الخاص جداً، كأنه كان يقبع في الظلام فلا يراه أحد فألقت عليه الرواية بقعة ضوء، أو كأنه كان يجلس تحت الأضواء المبهرة فأعمت عن حقيقته العيون فجاءت الرواية وقالت إنه يري ويهتم ويقول لكن بطريقته الخاصة جداً!!
"أنا والحبيب" هل هذا اسم الكراسات التي كتب فيها "أسامة" البطل الحالم حبه لإيمان!! أم أن هذا عنوان العلاقة الموجعة بين عمرو عبدالسميع والوطن الذي يحبه لكنه يوجعه!! كدت أخدع ثانية وأصدق أن عنوان الرواية هو عنوان كراسات "أسامة" لكني انتبهت أخيراً لبراعة عمرو وقدرته علي المراوغة فانتهيت إلي أن "أنا والحبيب" هو عنوان الوجع الذي يعيشه عمرو عبدالسميع ونعيشه جميعا!! فكل حزننا ووجعنا وهمنا وهزيمتنا وتمردنا وثورتنا واحباطنا واكتئاباتنا سببها "أنا والحبيب"!!!
"أنا والحبيب" رواية من نسيج خاص جداً جداً، موجع لكنه في الحقيقة يطيب الجراح مهزوم لكنه يصرخ بالمقاومة والتمرد!! يبدو وكأنه عالم قبيح لكنه حياتنا التي نعيشها وليست كلها قبحا!! انها دانتيلا خشنة!! منسوجة بدقة بعناية ببراعة باهتمام منسوجة من دموعنا وأوجاعنا وألمنا واحباطنا!! منسوجة من شظايا المرايا المبعثرة التي تظهر صورتنا من انصال مكسورة في الجلود السميكة من قبول خاضع وهزيمة نكراء! منسوجة من عالم حقيقي موحش متوحش لكنها لاتحزنك بل تصدمك تقهرك توقظ في روحك الرغبة علي المقاومة والتمرد وعدم الاستسلام لكل هؤلاء العواهر الذين يتصورون أنهم انتصروا علينا وانتهي الأمر!!!
"أنا والحبيب" دانتيلا خشنة نسجت بيد غزال نساج فنان بارع لن يقوي ثانية علي مواراة نفسه وخداع الآخرين فقد كشفت روايته عن وجعه وهمه وحقيقته!!

لن أتحدث عن مباراة كرة القدم ولا ما حدث فيها، لن أتحدث عن أحداث السودان والاعتداءات الجزائرية المنظمة على الجمهور المصرى، لن أتحدث عن الغضب الشعبى المصرى ولا انتظار الشعب لرد الفعل المصرى فى مواجهة تلك الاعتداءات، لن أتحدث عن الاعتداءات الجزائرية على الاستثمارات المصرية والعمالة المصرية هناك فى الجزائر ..... لن أتحدث عن هذا كله، لكنى سأتحدث فقط عن الاتهامات والانتقادات المتناثرة التى أبداها ورددها بعض الجزائريين فى حق المصريين.
لقد سمعت وقرأت بعض العبارات التى تصور قائلوها أنهم ينالون من مصر وشعبها بمثل تلك الاتهامات والانتقادات كأنها عيوب نخفيها عنهم وعن العالم فأمسكوا بها و"فضحونا" وعايرونا بها، والحق أننى ضحكت كثيرا وقتما قرأت ماقرأت، بل إننى أقر وأعترف أن معظم مايقولونه عنا - نحن المصريين - صحيح، لكنى لا أتفق معهم طبعا فى دلالات أقوالهم وأرفض المعانى الرديئة التى يقصدونها من كلامهم، فمعظم مايقولونه ليس عيبا فينا أو نقيصة، بالعكس هى حضارتنا وثقافتنا وتراثنا بأوجهها المختلفة.
لكنه الجهل المحزن بالشخصية المصرية وحضارتها وثقافتها ودورها التنويرى هو الذى قادهم لوصمنا بما اعتبروه سبا وشتما ورددوه كالببغاوات، متصورين إهانتها فارتدت سهامهم إليهم تكشف عن ضحالة فكرية وجهل عميق وصدق من قال: "مالقوش فى الورد عيب قالوا له يا أحمر الخدين! "فكل ما ساقوه ضدنا وهللوا به ليس إلا حمرة ورودنا الزاهية التى لم يجدوا غير جمالها يعايروننا به ... ومازلت أضحك فـ"شر البلية ما يضحك"!
قالوا علينا الفراعنة والفراعين ساخرين بجهلهم المقيت من الحضارة الفرعونية يتشدقون باسمها وكأنها ليست تاريخا إنسانيا عظيما وحضارة عريقة تفخر بها البشرية جمعاء والمصريون خاصة!
نعم ياسادة، نحن الفراعنة أصحاب أضخم حضارة على وجه الأرض قديما وحديثا، يمتد تاريخنا لسبعة آلاف سنة بعيدة حين أنشئت الدولة المركزية الأولى فى التاريخ على يد مينا موحد القطرين "الشمالى والجنوبى" نحن من وصفنا التاريخ بـ "أهل مصر" أو "ناس الأرض"، شعب عريق وريث أعظم حضارات العالم وأقدمها، نعم نحن الفراعنة وورثة حضارتهم العظيمة.. نسكن فى وادينا منذ سبعة آلاف سنة وحتى الآن.. أول من اخترعوا الكتابة هدية للإنسانية بالأبجدية الهيروغليفية، حضارة برعت فى الفنون والعمارة والقصص والموسيقى، اكتشفت أسرار علوم الرياضيات والفلك والطب ومعجزة التحنيط الذى عجز العالم حتى اليوم عن معرفة أسراره وكشف خباياه، أحفاد خوفو وخفرع ومنقرع بناة الأهرام الثلاثة، إحدى معجزات الدنيا السبع.. أحفاد الملك العظيم رمسيس الثانى الذى ترك تمثاله فى معبد أبى سنبل بأسوان معجزة معمارية وفلكية احتار العالم أمامها، حيث تتعامد الشمس على وجهه يوم ميلاده ويوم تتويجه.
أحفاد الملك العظيم أخناتون أول من دعا للإله الواحد ونادى بالتوحيد وبشر بإله واحد لاشريك له "أيها الإله الأوحد الذى ليس لغيره سلطان كسلطانه يا من خلقت الأرض"، أحفاد الملك الشاب توت عنخ أمون الذى حكم مصر فى الثانية عشرة من عمره ومات ملكا على مصر فى الثامنة عشرة تاركا خلفه آثارا لها دلالات عظيمة تفصح عن قدر التطور الذى وصلت إليه حضارة الفراعنة فى حقب زمنية كان غيرهم يعيش فى الظلمات وترك كنوزا لا تقدر بقيمة تتهافت لاستضافتها وعرضها أعرق متاحف العالم كله.
أحفاد إيزيس بطلة الأسطورة القديمة "أم الطبيعة" وأصل الزمن وربة القمر.. والأم المقدسة للملك الصقر حورس والزوجة المخلصة الوفية للملك أوزوريس التى جمعت أشلاءه الممزقة والمبعثرة والمدفونة فى كل أرجاء مصر وأعادته للحياة انتصارا على شقيقه الشرير الملك ست رمز الخصوبة والنماء والأمومة والوفاء والحماية وإلهة السحر والجمال: "يا إيزيس يا مصدر النور والضياء، يا خالقة الزرع فى الأرض، يا من تخرج الحياة من رحمها، كما يخرج جنين الطير من بيضته، أنت أم كل شىء حى، أنت حياة العالم، أنت الأم الكبرى للكون..".
قالوا علينا: "يابتوع الفول والطعمية" ! وكأنها سبة، نعم نحن شعب يأكل الفول ويأكل الطعمية، وهى أكلات شعبية مميزة تصنع من الفول وهو من البقول عالية البروتينات ولها مذاق خاص و"جميل" ويتصور الجهال أنهم حين يصمون الشعب المصرى بآكلى الفول والطعمية أنها أكلات الفقراء.. فكأنهم يتندرون على فقر المصريين من وجهة نظرهم بتلك الأطعمة.
ولأنهم جهال فلا عتاب عليهم، لكنى ولأننى من أشد المحبين للفول والطعمية تلك الأكلات الشعبية الجميلة ولا أقبل عليها هجوما أوضح لمن قد يفهم أن الفول والطعمية ليس أكل الفقراء - ولو كانا أطعمة الفقراء ولو كان الشعب المصرى كله من الفقراء فهذه ليست سبة ولا نقيصة - هى أطعمة شعبية يتميز بها المصريون ومعها "البصارة والكشرى والمش والفسيخ"، وهى جميعها مأكولات "طِعمة" تفتح النفس.. والفول والطعمية بالذات مأكولات يتخاطفها السياح ولها مطاعم كثيرة راقية تصنعها بعشرات الطرق التى تغير طعمها وتجعله "ألذ وألذ"، وهى مأكولات لاتخلو منها مائدة طعام فى أى مؤتمر أو مهرجان سياحى وبالأخص خارج مصر.
ولو كان أى من هؤلاء الجهال أتاح له حظه السعيد يوما "صحن فول" بالسمنة البلدى ومعه "شوية طرشى بلدى" لأدرك حجم خطيئته فى حق الفول وآكليه من أصحاب المزاج، ولو أكل الفول فى الإسكندرية "بالتقلية والطماطم والطشة" ومعه طحينة و"سلطة طماطم بالتوم" لاشتهى الفول طيلة الوقت وجرى لعابه عليه كلما تذكره، لكنهم غير مميزين لايعرفون قيمة ولا مذاق ما يتندرون عليه.. لو أى من هؤلاء أسعده حظه فى مهرجان سياحى وأكل "قرص طعمية بالسمسم" فى "رغيف شامى" أو أكل "قرص طعمية بالبيض" مع "حتة جبنة قديمة" لخجل من جهله وقدر غبائه!
نعم وبكل فخر، يأكل المصريون "الفول والطعمية" وهى مأكولاتهم الشعبية التى تغزو مطاعمها جميع العواصم العربية والأوروبية، ويتهافت أصحاب المزاج العالى على شرائها بالعملات الحرة، فى جنيف أكلت "طعمية" لكنها ليست "بجمال وحلاوة" التى أكلتها فى الإسكندرية، وفى لندن أكلت "طعمية"، لكنها ليست بجودة التى تأكلها فى حوارى السيدة زينب، وفى أفخر فنادق الجونة بالغردقة أكلت "طعمية"، لكنها ليست بمذاق التى تأكلها من شارع شبرا.
وتلك المطاعم التى تبيعها فى عواصم أوروبا مطاعم مزدحمة مكدسة بأصحاب المذاق الخاص ولا تجد بها مقعدا بسهولة! فى نفس الوقت إذا كان المصريون يأكلون الفول والطعمية، فهم يأكلون "السيمون فيميه" و"الفواجرا" و"السيتك بوافر" ومطبخنا المصرى خليط من المأكولات التركية والفرنسية والعربية واليونانية والشعبية المصرية، وهو مطبخ يدل على مذاق خاص للمصريين فى الأكل، لأنهم يعتبرون الأكل طقسا سعيدا مبهجا!
نأكل الفول والطعمية والكشرى بالشطة والبصارة بالتقلية والفسيخ "الفرعونى" و"العيش الشمسى" و"العيش البلدى" و "المش"، وهذا مزاج خاص لا يفهمه إلا أصحاب المزاج!.. وإذا زرت مصر ولم تشرب من نيلها فأنت لم تزرها، وإذا لم تأكل طعمية وفول فأنت لم تزرها! لكن هل تختصر مصر فى تلك المأكولات !!! وهل تختصر الأردن وفلسطين فى "زيت الزيتون والزعتر وسلطة الحمص والمكدوس"؟ وهل تختصر تونس والسودان فى "الهريسة"؟ وهل تختصر فرنسا فى "شوربة الضفادع"؟ وهل تختصر ألمانيا فى "الكرنب والبطاطس"؟ وهل إذا قلت لفلسطينى يا "بتوع الزعتر" يعتبرها شتيمة أم يعتبرها مزحة أم يعتبرنى مجرد غبية لا أفهم فى الأكل!.. ما علينا!
نعم.. المصريون بتوع الفول والطعمية! ويا سوء حظه الذى لم يعرف جمال ومذاق تلك المأكولات، أما إذا كانوا يقولون علينا: "يا بتوع الفول والطعمية" باعتبارها مأكولات الفقراء متصورين أنهم يصمون وطننا بالفقر، وشعبنا بالعوز فلا أجد ما أقوله لهم إلا أن مصر كانت ومازالت على مر التاريخ والعصور دولة مركزية عظيمة قوية.. صاحبة ثروات طبيعية وبشرية وكنوز.
نعم، لسنا من الدول البترولية التى أنعم الله على شعبها بثرواته دون جهد منهم أو تميز، لكننا شعب عريق له جذور ضاربة فى أعماق التاريخ.. وحضارة انبهرت بها الإنسانية ومازالت حتى الآن عاجزة عن فهم أسرارها وكشف كنوزها وفهم قدر تفوقها العلمى الحضارى، نحن أكبر متحف للآثار فى العالم ولا أقصد الكنوز التى نعرضها فى متاحفنا من آثار الحضارة الفرعونية والإسلامية والقبطية، بل أقصد الآثار التى مازالت دفينة تحت التراب الذى نمشى عليه، ومازلنا محط كل البعثات التنقيبية والعلماء، ومازالت أصغر قطعة من آثارنا تبهر العالم بتميزها ودقتها وبراعتها ودلالاتها الحضارية على طبيعة ذلك الشعب وإذا كنتم لاتعرفون ما أقول فهذه مصيبة وإذا كنتم تعرفون وتنكرون فالمصيبة أعظم!
قالوا علينا:"شعب راقصات" اختزالا للدور العظيم للفن المصرى الذى صاغ وجدان وعقل وفكر ملايين من أبناء الشعوب العربية على مدى قرن كامل، ذلك الفن الذى كشف عن طاقات إبداع مصرية عظيمة فى جميع المجالات الفنية والأدبية، نشرت وهجها وسطوعها فى مجتمعات كانت تعيش فى الظلمات خارج أطر الحضارة والتمدن، ورغم أننى لا أرى الرقص عيبا، وأراه فنا عظيما محترما سواء الرقص الشعبى أو الباليه، ولأن كل شعوب الأرض ترقص احتفالا وابتهاجا، وأحيانا فى أوقات الحزن، وكانت ومازالت الرقصات الجماعية أحد أهم أشكال التواصل الاجتماعى فى الاحتفالات والاحتفاءات الوطنية، لكن لم أقبل تلك الجملة لمعناها الحقير الذى قصد به قائله وصم المصريين بما يشينهم، ليس لأن الرقص خطيئة أو عيب أو لأنه ليس فنا محترما له قواعد، بل لأن المصريين شعب أنجب أبناء عظماء فى جميع المجالات الفكرية والثقافية والفنية وليس فقط فى مجال الرقص.
لكن الخيال المريض والفكر المنحط لا يفرز إلا كلاما رديئا وأوصافا ممجوجة تليق بقائليها فقط!.. وأذكر فقط بأننا نحن المصريين نملك ثروة بشرية عظيمة من المتعلمين المتفوقين المتميزين تاركى بصماتهم على وجه الإنسانية فى جميع المجالات، نحن من أنجب نجيب محفوظ وأدبه العالمى، نحن من أنجب أحمد زويل وعلمه المتميز، والاثنان من المكرمين عالميا والمحتفى بهم والحاصلين على جوائز "نوبل"، نحن من أنجب أم كلثوم كوكب الشرق بصوتها الخالد، نحن من أنجب الموسيقار العظيم سيد درويش، نحن من أنجب رفاعة الطهطاوى ودوره التنويرى العظيم، نحن من أنجب أعظم المؤلفين والكتاب والمبدعين والشعراء.. أجيال متعاقبة عبر العصور والأزمان:
العقاد - توفيق الحكيم - إحسان عبدالقدوس - يوسف إدريس - يحيى الطاهر عبدالله - إبراهيم أصلان- سعد الدين وهبة - أمل دنقل - صلاح عبدالصبور - عبدالرحمن الشرقاوى - فاروق جويدة - إبراهيم عبدالمجيد - سلوى بكر - يوسف السباعى - أنيس منصور - رضوى عاشور - لطيفة الزيات - عبدالرحمن الأبنودى.. وغيرهم.
مئات ومئات من المتميزين المبدعين، نحن هوليوود الشرق أول من عمل فى صناعة الفن والإبداع والسينما والمسرح، منذ مائة سنة وأكثر أنجبنا أعظم الفنانات الممثلات العربيات ممن سطعن فى سماء العالم العربى بأضوائهن الباهرة: أمينة رزق - فاتن حمامة - شادية - فردوس محمد - هند رستم - دولت أبيض - فاطمة رشدى - مديحة يسرى - ليلى فوزى - سعاد حسنى - زوزو نبيل - سناء جميل - سميحة أيوب - عايدة عبدالعزيز - فردوس عبد الحميد- يسرا -زبيدة ثروت - نادية لطفى - إسعاد يونس - منى زكى.. وغيرهن.
عشرات وعشرات يشار لهن بالبنان ويلاحقهن المعجبون والمعجبات ويكرمن فى المهرجانات الفنية ويحتفى بهن أينما ذهبن، أنجبنا أعظم الفنانين الممثلين العرب ممن تركوا فى صفحات التاريخ أعمالهم العظيمة مصابيح منيرة: يوسف وهبى - زكى طليمات - أنور وجدى - حسين رياض - عماد حمدى - فريد شوقى - شكرى سرحان - صلاح ذو الفقار - رشدى أباظة - عمر الشريف - زكى رستم- عبدالوارث عسر- عادل إمام- أحمد زكى - أحمد رمزى - أحمد مظهر - محمود ياسين - حسين فهمى - أحمد السقا - خالد صالح - خالد الصاوى - نبيل الحلفاوى - أحمد ماهر - محمود مرسى. أنجبنا أعظم المخرجين العرب فى مجال السينما والمسرح: يوسف شاهين - أحمد بدرخان - محمود ذوالفقار - صلاح أبوسيف - كمال سليم - سعد أردش - أحمد عبدالحليم - عاطف الطيب - كمال الشيخ - حسن الإمام - محمد خان - على بدرخان - يسرى نصر الله - خالد يوسف - زكى طليمات. أنجبنا أعظم الأصوات العربية: عبدالوهاب - عبدالحليم حافظ - على الحجار - محمد رشدى - محمد منير - كارم محمود - محمد قنديل - هدى سلطان - محمد فوزى - نجاة - شادية - عادل مأمون.
ومن أعظم ملحنينا: عبدالوهاب والقصبجى، ومن أعظم دعاتنا: الشيخ الشعراوى والشيخ الغزالى، ومن أعظم مثالينا: مختار، ومن أعظم شعرائنا: أحمد شوقى، ومن أعظم علمائنا سميرة موسى أول عالمة ذرة مصرية ويحيى المشد وسعيد السيد بدير، ومن أعظم رسامينا محمود سعيد وإنجى أفلاطون وجمال كامل وصلاح عنانى.
نحن هوليوود الشرق ونجم الإبداع الثقافى الفنى العربى، نحن من احتضن الفنانين العرب فنجحوا وبرعوا وسطعوا فى سماء القاهرة وسماء العالم العربى: فريد الأطرش - صباح - وردة - لطيفة - سميرة سعيد - أسمهان - فايزة أحمد - هند صبرى.. وغيرهم الكثيرون.
شعب أنجب أبناء نابغين فى كل مجال: "علم - فن- أدب - كتابة - رسم - نحت - رياضة - كرة - موسيقى".. وطن تجتمع على أرضه الأهرامات الثلاثة وجامع الأزهر ومكتبة الإسكندرية ومعابد الكرنك والكنيسة المعلقة، شعب منحته الجغرافيا موقعا متميزا أتاح له ريادة وزعامة إقليمية وعربية ودورا دوليا لايمكن الاستهانة به أو الانتقاص منه أو تجاهله أو تجاوزه، ومنحه التاريخ إجلالا فى كل صفحات كتبه وقت تحدث بفخر واعتزاز عن إسهاماته الحضارية فى كل الأزمنة والعصور لا يمكن أبدا التندر عليه أو الحديث عنه باعتباره "شعب رقاصات" إلا من الجهال عديمى المعرفة الغارقين فى جهلهم لدرجة تدعو للأسف والحزن عليهم وعلى ضحالتهم العقلية!
لقد طالت المقالة ولم أقل شيئا! لم أستعرض التفاهات التى قالوها فى حقنا جهلا، ولم أفندها وأدحضها واجبا للوطن الذى أفخر بالانتماء إليه وأشرف بكونى من ضمن أبنائه، طالت المقالة ولم أقل شيئا.. لم أتحدث عن مصر الوطن والحضارة والدور الإقليمى بما تستحق ويليق بها، لم أتحدث عن الشعب المصرى ووجوده وتميزه وإسهاماته الحضارية الإنسانية بما يليق بهم وكما يجب! لكن عذرى أن مصر وشعبها "الماضى والحاضر"، "التاريخ والجغرافيا"، "الإسهام الحضارى والثقافى والفنى"، "القيمة والوجود والدور والزعامة"، أبدا لايختزل ولايختصر فى أى عبارات مهما كثرت كلماتها.. وصدق من قال: "مصر أم الدنيا"!
نشرت في مجله روزاليوسف العدد 4251 السبت الموافق - 28 نوفمبر
http://www.rosaonline.net/Weekly/News.asp?id=309162009
عشت طفولتي في أوائل الستينيات من القرن الماضي، طفلة مصرية صغيرة مثل الملايين، افكر بذات الطريقة التي تعلمناها في المدرسة وبذات المنهج الذي سمعناه في الراديو والأغاني وأخذنا دروسه في حصص التربية القومية.كنت أؤمن أن بيننا تاريخًا واحدًا ونتحدث لغة واحدة ولنا مصالح مشتركة!!
كنت أؤمن بأننا نعيش عصر أمجاد يا عرب أمجاد وكنت أغني وطني حبيبي الوطن الأكبر جيل ورا جيل أمجاده بتكبر.
هكذا عرفت الدنيا وقت فتحت عيني عليها .
كنا نأخذ اجازة من المدرسة يوم 22 فبراير باعتباره عيدًا للوحدة بين مصر وسوريا، رغم أن الوحدة انفصمت عراها بين الإقاليم الجنوبي والإقليم الشمالي قبل أن يجف مداد توقيع اتفاقياتها وقبل انتهاء احتفالاتها.
وكنا نهتف للعلم المصري تحيا الجمهور العربية المتحدة رغم أن تلك الجمهورية المتحدة لم تكن موجودة ولم نكن نعيش في ظلها!
لكن الواقع العربي الكريه عبر عمري وأعوامه الخمسين قرر فقء عيني فأرسل لطفولتي ومراهقتي وشبابي ونضجي رسائل واضحة تزعزع كل اليقين الذي تربيت عليه وآنست له وصدقته.
رغم أني طيلة حياتي كنت باتلكك من أجل العثور علي أي إشارة، معني كلمة، قصيدة، خبر يدعم قناعاتي العربية ويقيني بالأمة الخالدة ووطني حبيبي الوطن الأكبر.. يوم ورا يوم أمجاده بتكبر.. وانتصاراته مالية حياته وطني بيكبر وبيتحرر.. وطني وطني.
لكننا للأسف وبعد فوات الأوان اكتشفت أن الواقع أصدق أنباء من الكتب وأننا لا نعيش إلا في الأغاني وكلماتها الجميلة فقط!
كنت في الصف السادس الابتدائي وبدأت أحداث ايلول الأسود عام 1970 حربا ضروسا بين ملك الأردن الملك حسين وجيشه ومخابراته وبين المنظمات والفصائل الفلسطينية التي تعيش في الأردن.
وقتها لم أفهم كيف يضرب الملك العربي وجيشه العربي الفلسطينيين.
أليس الفلسطينيون هم الشعب العربي الذي نقف كلنا خلفه ومعه ندافع عن أرضه ونكره إسرائيل التي احتلت وطنه وزرعت كشوكة في قلب الأمة العربية وخنجر في خاصرتها.
كيف يضرب الملك العربي الفلسطينيين العرب وعقدت قمة عربية أوقفت الحرب وأوقفت قلب جمال عبد الناصر معها و...قيل كلام كثير ومبررات أكثر جميعها تتناقض مع فكرة القومية العربية.
لكنني وبإصرار عاطفي قررت انسي ما حدث ولتحيا الأمة العربية.
وقامت حرب أكتوبر وأنا في الصف الأول الثانوي وفتحت الجبهة السورية والمصرية واشتعلت المعارك علي طول الجبهتين وقطع الخليج والسعودية البترول عن أوروبا وأرسلت العراق والجزائر جنودهما لمؤازرة جيوشنا المقاتلة ودعمتنا ليبيا بالطائرات والدولارات وتضامن العرب وانتصرنا في الحرب وعاد يقيني بالعرب والعروبة ولتحيا الأمة العربية.
بعدها بعامين ذهبت للكويت رفقة أبي الذي اعير للعمل هناك.
دخلت مدرسة عربية مليئة بالتلميذات المصريات الفلسطينيات، السوريات، الأردنيات، اللبنانيات، واشتبكت الفتيات في صراعات وخناق وردح بعضه متعلق بالسياسة والحرب والصلح وبعضه متعلق بصراع آبائهن علي الوظائف الكويتية.
وسمعت خلي بالك من الفلسطينيين بيكرهوا المصريين وسمعت من العراقيين أن نساء مصر راقصات وسمعت من الكويتيين أن ستات مصر رقاصين وستات لبنان صايعين والمقررات هناك سهلة كما قال سعيد صالح في مسرحية مدرسة المشاغبين.
وسمعت من العراقيين أن السوريين خونة وسمعت من المصريين الفلسطينيين باعوا أرضهم وعايزنا نحارب لآخر جندي مصري، وسمعت من الفلسطينيين أن فتح خاينة لا الجبهة الشعبية هي اللي خاينة لا الجبهة الديمقراطية هي اللي ستين خاينة! ولتحيا الأمة العربية.
وساقتني الأقدار في نفس العام 1976/1975 لحضور مباراة كرة يد بين الفريقين المصري والكويتي غالبا حسبما تسعفني الذاكرة في نهائي بطولة عربية لكرة اليد بالكويت العاصمة وفي استاد المباراة ينفجر تعصب كل جمهوره لفريقه ووطنه، وإذا بالجمهور الكويتي يشتم المصريين والجمهور المصري يشتم الكويتيين والحكم ينحاز للكويت ويصرخ المصريون أنهم اشتروه ويطرد لاعبين مصريين وتفوز مصر بالكأس ويشتم الجمهور المصري الكويت التي اشترت الحكم بفلوسها لكن معرفتش تكسب الماتش لأنهم فشلة وخايبين.
ويعايرهم الكويتيون بالفقر الذي أجبرهم للعمل خدامين في بلادنا فيذكرهم المصريون لما كنت بترعوا الغنم وكنا بنبعت المدرسين ونعلمكم.
وفي الكويت تحدثت الفتيات في المدرسة فلم يفهمن بعضهن، نعم جميعهن يفهمن لهجتنا المصرية ونحن نفهم السوريات، والعراقيات يفهمن لهجة الكويتيات ونحن المصريات لا نفهم ماذا يقلن وأين اللغة العربية التي نكتبها ولا نتحدث بها!
وابتسم العارفون بالأمور وأوضحوا دي لهجات إقليمية ووطني يا أغلي وطن في الدنيا.. وطني يا قلعة للحرية أنت الباني مع البانيين.. وأنت الهادم للعبودية.. الصوت صوتك حر وعربي.. مش صدي شرقي ولا صدي غربي.. ياللي ترابك كحل.. عيني ياللي هواك عطره بيحييني.. أنت حبيبي يا وطني العربي! و... لتحيا الأمة العربية!.
وفي عام 1975 ولقرابة عشرين عاما، تقاتل اللبنانيون فصائل وفرقا وشيعًا دينية وسياسية في حرب أهلية ضروس وصرخ السادات ارفعوا أيديكم عن لبنان، لكن سوريا والعراق وإيران وإسرائيل مدوا أيديهم وأذرعتهم وقواتهم وجرائدهم وحلفاءهم داخل الوطن الصغير وبثوا الفتنة أكثر وأكثر بين فرقائه.
وأكلت الحرب الأهلية الأخضر واليابس وأتاحت لإسرائيل اجتياح الأراضي اللبنانية.
وشاهدنا مذبحة صبرا وشاتيلا للفلسطينيين العزل بتنسيق وتواطؤ بين إسرائيل والميليشيات المارونية اللبنانية العربية، حيث مات آلاف العرب الفلسطينيين ومثل بجثثهم وقطعت أوصالهم و... لتحيا الأمة العربية!
وفي خريف 1977 يعلن الرئيس السادات عن استعداده لزيارة إسرائيل أنا مستعد أروح لآخر الدنيا.. لمواجهتهم.. مستعد أروح ... حتي في عقر دارهم.. مستعد أروح أواجههم داخل الكنيست الإسرائيلي نفسه.
وصفق الحاضرون في مجلس الشعب بمن فيهم العقيد القذافي وياسر عرفات باعتبارها عبارات حماسية صدرت بطريقة عفوية من الرئيس السادات، ولكنها لم تكن كذلك وكانت موقفا سياسيا أخذه السادات، وسارت عجلة الأحداث وتحدد موعد للزيارة يوم 19 نوفمبر واشتعلت الدنيا وانقسمت الأمة العربية وتكونت جبهة الصمود والتصدي العراق سوريا الجزائر ليبيا واليمن الجنوبي المنظمات الفلسطينية وقررت تجميد العلاقات الدبلوماسية مع مصر، وتراشق الجميع بالاتهامات السياسية وسمعنا عن الخيانة والعمالة والتفريط وانفرط عقد الأمة العربية الواحدة، وفي مؤتمر جبهة الصمود والتصدي ضد مصر اختطف الرئيس القذافي ياسر عرفات من الفندق لاجباره علي مصالحة ملك الأردن الذي كان انتصر علي الفلسطينيين في معركة ايلول الأسود عام 1970 وطردهم من الأردن.
وسارت المظاهرات في العواصم العربية تهتف ضد مصر زعيمة العالم العربي والشقيقة الكبري.
وانهال الرئيس السادات علي رءوسهم سبا وتقريعا وانتقادا ومحدش يزايد علي مصر ومصر حاربت من أجل القضية الفلسطينية وانتم عايزينا نحارب إسرائيل لآخر جندي مصري و.. انقسمت الأمة العربية وتغيرت التحالفات والمعسكرات والخرائط وتشاتم الجميع و.. لتحيا الأمة العربية.
وحلو يا مجد يا مالي قلوبنا حلو يا نصر يا كاسي رايتنا حلوة يا وحدة يا مجمعة شعوبنا حلوة يا أحلي نغم في حياتنا يا نغم ساري بين المحيطين بين مراكش والبحرين في اليمن ودمشق وجدة نفس الغنوة لأجل وحدة وحدة كل الشعب العربي!
وفي دورة الألعاب الأفريقية الثالثة المقامة بالجزائر 1978 لعب منتخب الكرة المصري مع نظيره الليبيي وفازت مصر فانقلبت المباراة لاعتداء من الفريق الليبي وجهازه الفني والجمهور الجزائري الذي كان حاضرا المباراة بالعصي والهراوات علي الفريق المصري المنتصر.
ولم تتدخل قوات الأمن الجزائرية فما كان من باقي أعضاء البعثة المصرية الحاضرين للمباراة إلا رد الاعتداء علي فريقهم وأصبحت معركة حربية حقيقية مذاعة علي الهواء في جميع التليفزيونات العربية وانسحبت مصر من الدورة ومن جميع المسابقات وارسل وزير الدفاع وقتها طائرات عسكرية بحماية سرب حربي مقاتل لإخراج اللاعبين المصريين وأعضاء البعثة من الجزائر .. ولتحيا الأمة العربية.
في 1982 سافرت للجزائر للمرة الأولي لحضور مؤتمر نسائي عربي، سافرتها عن طريق روما لأن العلاقات الدبلوماسية بين مصر والجزائر مقطوعة منذ أيام جبهة الصمود والتصدي، وهناك سمعت الشباب الجزائري يتحدث الفرنسية ولا يفهم العربية وقابلت جيل المجاهدين والمجاهدات الذي اعتبر العروبة والإسلام هويه في مواجهة الاستعمار الفرنسي الذي احتل وطنهم مائة عام ويزيد ووطني يا ثورة علي استعمارهم.. املا جزايرك نار دمرهم.. لو نستشهد كلنا فيك صخر جيالنا راح يحاربهم.. الاستعمار علي ايدنا نهايته راح من الدنيا زمانه ووقته لا في الجزاير ولا في عمان تهدي الثورة علي الطغيان إلا بنصر الشعب العربي.
وسمعت لأول مرة في حياتي وأنا أزهو بالعروبة وأؤمن بها واعتز بمساندة مصر للثورة الجزائرية، سمعت تعبير الاستعمار الثقافي المصري احتجاجا من الشباب الجزائري هناك علي الافلام والمسلسلات العربية التي تملأ تليفزيوناتهم ودخلنا في مناقشات بيزنطية صادمة لمشاعري القومية واحاسيسي العربية حول زعامة مصر المفروضة قهرا علي البلدان الأخري العربية سابقا.
وطردت العمالة المصرية من ليبيا وصمتنا كأن شيئًا لم يحدث وهتفنا تحيا الأمة العربية تقاتلت الجزائر والمغرب بسبب الدولة الصحراوية وهتفنا تحيا الأمة العربية، وقبل المصريون العمل في الخليج بنظام الكفيل الذي يقيدون باسمه ويحتجز جوازات سفرهم ولا يسافرون إلا باذنه واهينت كرامتهم وتحيا الأمة العربية، وأخرجت منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان وتوزعت فصائلها في الشتات العربي بين اليمن والعراق وسوريا وتونس وهتفنا ونحن نبكي تحيا الأمة العربية!
وانفجرت الصراعات السورية العراقية لأسباب مختلفة في حقب زمنية مختلفة واتهامات بالخيانة واتهامات بالسيطرة واحتضن كل منهم فريقاً فلسطينياً استخدمه وقت الصراع ووقت الحروب الإعلامية ووقت المعايرة بالخيانة والجبن ومازلنا نهتف تحيا الأمة العربية ووطني يا زاحف لانتصاراتك.. ياللي حياة المجد حياتك في فلسطين وجنوبنا الساهر هنكملك حرياتك.. احنا وطن يحمي ولا يهدد.. احنا وطن بيصون ما يبدد.. وطن المجد يا وطني العربي!!
وفي أغسطس 1990 اجتاحت القوات العراقية دولة الكويت العربية المستقلة واحتلتها وخلعت أميرها وأعلنتها الولاية التاسعة عشرة من الدولة العراقية وتشرذم العالم العربي واحتدمت بينه الخلافات.عقدت قمة عربية لم تسفر عن شيء.
وأصرت العراق علي موقفها واستجارت الكويت بالولايات المتحدة الأمريكية لتحريرها من الاحتلال العربي الذي ألغي خريطتها من كتاب الأطلس وغير الحدود الجغرافية وألغي التاريخ، وانقسمت الدول العربية ما بين مؤيد للاحتلال باعتباره خطوة في طريق الوحدة العربية.
ووقفت الأردن والفلسطينيون والسودان واليمن مع العراق، وصرخت دول الخليج خوفاً وفزعاً من سطوة العراق التي تهدد باحتلالهم جميعاً وكانت تستطيع لو أرادت.
ورفضت مصر والسعودية وسوريا الاحتلال العراقي العربي للأرض الكويتية العربية وفتحت السعودية أرضها لقوات التحالف المشترك لتحرير الكويت وأرسلت مصر قوات لذات الغرض، وانقسم الشارع العربي ما بين مظاهرات مؤيدة للعراق ومظاهرات ضد الاحتلال لكن ضد استخدام القوة ضد العراق القوة العربية الكبري التي تستطيع - وقت ما تريد - المشاركة في الحرب العربية ضد إسرائيل وتباهت العراق وضربت صاروخين في إسرائيل باعتبارها القوة العربية ذات اليد الطولي، وتمادت وضربت صاروخين علي السعودية أفزعا السعوديين فمنحت قوات التحالف المشترك كارتاً أبيض ليؤدبوا العراق التي احتلت الكويت وتهدد جيرانها وإخوتها العرب. وهددت العراق بضرب السد العالي لإغراق مصر عقاباً لها علي موقفها من احتلال الكويت، وردت مصر علي ذلك التهديد رداً حاسماً قوياً وهددت حنضرب ساعتها وبدراعنا، وتحررت الكويت وحفظت الجميل لأمريكا وفتحت قطر أرضها وبحرها للقواعد العسكرية الأمريكية لتكن ذراع أمريكا داخل الخليج، وتصالحت مصر وياسر عرفات والأردن وحوصرت العراق ثم احتلت ورقص بعض العرب احتفالاً بسقوط بغداد في أيدي القوات الأمريكية بمن فيهم الكثير من العراقيين، ثم اعدم رئيسها صدام حسين يوم عيد الأضحي وبكي بعض العرب وصمت الآخرون ولتحيا الأمة العربية، ووطني يا جنة الناس حسدينها.. علي أمجادها وعلي مفاتنها.. ياللي قنالك رجعت ملكك.. وأنت الخير الدنيا صيانها.. عالي السد وخد من خيره.. صنع وازرع وابني في نوره.. ياللي علاك في قلوبنا عبادة.. يا وطني كل حياته سيادة.. وطن العزة الوطن العربي.
وانقسم العربي العالم العربي الأمة العربية لدول المغرب العربي ووادي النيل ومجلس التعاون الخليجي، لكنا ظللنا أمة عربية واحدة وأمجاد يا عرب أمجاد!
وانقسم الفلسطينيون لفتح وحماس وتقاتلا ورفعا السلاح العربي ضد بعضهما وسال الدم العربي في معاركهما الطاحنة وتشاتموا وهاجموا بعضاً في الجرائد والصحف والفضائيات واعتقلت قوات كل منهم من امكنها اعتقاله من الرجال والشباب وبكت النساء العربيات الفلسطينيات معتقليهن في السجون الإسرائيلية وغرف الاحتجاز الفلسطينية أمجاد يا عرب أمجاد!
وقال بعض القوميين ممن مازالوا عروبيين قوميين مؤمنين بالوحدة العربية والأمة العربية، قالوا: إن الحكام العرب لا يعبرون عن الشعب العربي الذي لا يغلبه غلاب وعجزوا يفسروا لنا سر كراهية بعض الفلسطينيين للمصريين وسر كراهية العراقيين للسوريين وسر كراهية الفلسطينيين للأردنيين وسر كراهية الكويتيين للعراقيين وسر كراهية اليمنيين للسعوديين وسر كراهية الجزائريين والمغاربة وسر كراهية السوريين لللبنانيين كأنها أمة واحدة خلقت لتكره بعضها وتتشاجر مع بعضها وتحتل بعضها إن لزم الأمر!!!!
وتشاجر الرؤساء والملوك والأمراء العرب في ألف مناسبة وموقف تطلب توحدهم واحتاج الأمر مشتركاً منهم وتشاجروا في اجتماعات القمم العربية داخل الغرف المغلقة وعجزوا عن المناقشة والحوار وابتسموا للكاميرات والفضائيات ولم يأخذوا أية قرارات حقيقية في أي شيء وبقيت الأمة العربية علي حالها متشرذمة متفرقة متشاجرة وأمجاد يا عرب أمجاد.
لماذا تذكرت كل هذا .. ربما لأن كل الأفكار التي تربيت عليها اثبتت الأيام هزيمتها الساحقة. ربما لأني حاولت أدفن رأسي في الرمال، واتجاهل ما يفقأ العين وأنكر ما أراه، لكني فشلت من شدة التشاحن والتشرذم والاقتتال والتصارع العربي ـ العربي.
ربما لاني غاضبة جداً من كل ما حدث من الجزائر بمناسبة تصفيات كأس العالم. غاضبة من الكراهية التي تحتل اعماق شعبها تجاهنا نحن المصريين.
ربما لأني أؤمن أن الأمر يتجاوز مباريات الكرة لصراع دفين حول الزعامة العربية وقيادة العالم العربي والدور الاقليمي القومي المصري.
ربما لأني مللت الصمت وتكبيرالدماغ باسم العروبة، ربما لأنني كرهت لعب دور الشقيقة الكبري الذي يسمح للصغار والأقزام بالتطاول علينا وعلي شعبنا. نعم أعرف أنه قدرنا المصري أننا الدولة الأكبر والدولة القائدة والدول الزعيمة وأننا الشقيقة الكبري، لكن الأدب مطلوب من الأشقاء الأصغر والأدب فضلوه عن العلم وفضلوه عن العروبة أيضاَ!!!
أنا غاضبة من الجريمة الجزائرية المنظمة التي ارتكبتها دولة وحكومة وشعب الجزائر في حق المصريين بمناسبة التأهل لكأس العالم، غاضبة من الشحن الإعلامي والكراهية الدفينة وأعمال البلطجة والعنف المنظم التي مارسها الجمهور الجزائري والمنقول من الجزائر العاصمة للخرطوم بالطائرات الحربية ضد المشجعين المصريين غاضبة من البلطجة الجزائرية، ولو كنا أعملنا القانون علي المشجعين الجزائريين وقت تشاجروا في مطار القاهرة ووقت رحيلهم بعد هزيمة فريقهم.
لو كنا اعتقلنا الشابة الصفيقة المبتذلة التي وقفت أمام شاشات التليفزيون تأتي بحركات قبيحة فجة في حق الجمهور المصري وصورتها موجودة بكل الأشرطة التليفزيونية بجميع المحطات.
لو كنا اعتقلنا المشجعين الجزائريين الذين تعمدوا إحراق العلم المصري استفزازاً أمام ألوف المشجعين في شوارع القاهرة بعد انتصار فريقنا في المباراة الأولي لو كنا عملنا كل هذا ربما لوصلتهم رسالة أننا لن نتهاون في حقوقنا ولن نتسامح في أي اعتداء يقع علي أي مصري في أي مكان.
لكنا تصرفنا بمنطق الترفع والتعالي علي الصغائر وباعتبارهم مجموعة من الموتورين الغاضبين قاصدين افساد فرحتنا ولن نسمح لهم لكنهم لم يفهموا هذا، تصوروه ضعفاً أو تخاذلاً لم يسفر إلا عن مزيد من الإجرام واسألوا العائدين من السودان عما لاقوه من البلطجية الجزائريين.
أنا غاضبة جداً وكفرت بالعروبة وكفرت بالأناشيد الوطنية التي ضيعنا شبابنا بكلماتها وكفرت بالأمة العربية التي مازالت كل شعوبها تكره الشعوب الأخري تتحكم فيهم النعرات القبلية والطائفية والإقليمية يتشاجرون لأي سبب ولكن سبب سواء لقمة العيش أو السياسة أو مباراة كرة!!!
الفقرة الأخيرة - يقول البعض إن ما حدث لا يعبر عن شعب الجزائر، وأنهم زمرة من البلطجية الرعاع سواء من اعتدوا علي المصريين في الجزائر أو في السودان!! وقلت ومازلت أقول.. لم نسمع صوتاً جزائرياً يدين ما حدث!! لم نقرأ بياناً جزائرياً من الحكومة أو المثقفين يدين ما حدث!! وحتي نسمع اعتذاراً واضحاً قوياً يدين كل ما حدث في حق المصريين، فالجزائر كلها دولة وحكومة وشعباً ومثقفين مسئولون عن كل ما حدث وشركاء فيه!!!! ونحن لنا حق .. وسنأخذه!!!!
نشرت في روز اليوسف اليوميه 26 نوفمبر 2009
http://www.rosaonline.net/Daily/News.asp?id=30734