الجمعة، 23 أبريل 2010

ماذا يحدث في المجتمع المصري الان ( 3 اجزاء )

( الجزء الاول - ماذا يحدث في المجتمع المصري الان )

هذه مقالتي الأخيرة في الشأن السياسي المصري، بعدها سأكتب في الفن والحب والثقافة والتاريخ والجغرافيا والذكريات وعن المواطنين وأحوالهم والمجتمع وحياته وعن أي شيء إلا السياسة! وربما لا أكتب أساسا!

ما الذي سيحدث في الدنيا، لو قررت ألا أكتب في السياسة وعنها، أو لو قررت ألا أكتب أساسا! لن يحدث شيء! فليس كل الكائنات الإنسانية كائنات سياسية تهتم بالشأن العام وتتفاعل معه وتفكر فيه، بالعكس، قليل جدا من البشر كائنات سياسية ابتلاهم ربهم بنقمة التفكير في الشأن العام، وبقيته وأغلبهم لا يكترثون بكل الصخب والضجيج الذي يدور أساسا حولهم بزعم الاهتمام بهم وبشئونهم! نعم جميعنا نتأثر وسنتأثر بما يحدث حولنا، لكن الطبيعة الإنسانية لا تفترض بالضرورة أن تكون كائنًا سياسيا مهتمًا بالعالم خارجك! وأقصد بالسياسة هنا، الصراع السياسي بين السلطة من ناحية والمعارضة من ناحية أخري بالمعني الواسع للسلطة والحكومة والنظام وبالمعني الواسع للمعارضة أحزابًا وتيارات وشخصيات عامة وأفرادًا!

أقصد بالسياسة هنا، الصراع حول الديمقراطية، التوريث، تداول السلطة، الانتخابات، التغيير، الدستور، كل هذه القضايا وأكثر، جمال مبارك، البرادعي، أيمن نور، حزب التجمع، حزب الوفد، حزب الغد، الإخوان المسلمون، الكنيسة والعلمانيون وأقباط المهجر، وكل القضايا المرتبطة بذلك الهم وما أكثرها!

لن أكتب في السياسة بعد النقطة التي تغلق السطر الأخير من تلك المقالة، وسأظل صامتة إلي ما بعد انتخابات الرئاسة المزمع إجراؤها في عام 2011!

بعد تلك الانتخابات ربما سأعود للكتابة في الشأن السياسي المصري العام، بعدما تكون الصورة الضبابية -كما أراها الآن- قد اتضحت وجرت في النهر مياه كثيرة وانكشف المستور ذلك الذي يجهز له المسرح السياسي لكني لا أراه ولا أفهمه وأنا في الحقيقة أحترم نفسي وعقلي ولست بدجالة كي أكتب عن الأشباح والعفاريت واستنطقهم وأدعي العلم والمعرفة بما لا أراه من ظواهر سياسية وميتافيزيقية غامضة!

هذه مقالتي الأخيرة، لأن ما أقوله لا يهم أحدًا ولا يجدي ولا يغير من كل ما يحدث شيئًا، فما جدوي الهمس وسط الصخب والصراخ والضجيج والعويل والأصوات العالية! ما جدوي المناقشة الموضوعية خفيضة الصوت وسط مشاجرة كبري يشتبك جميع أطرافها بالصراخ والقول والشعارات مع بعضهم البعض في حمي هيستيرية، المناقشة الموضوعية هنا عبث ساذج لا معني له وبلاهة لا قيمة لها مهما بلغت قوة منطقها وبلاغة حجتها! ما جدوي المناقشة الموضوعية وسط طبول الحرب التي تدوي ضرباتها تصم الآذان فلا يسمع أحد أي شيء مما يقال ويرد ويقبل ويرفض دون انتباه حقيقي لكل ما يقال ودلالاته ومعناه وآثاره المستقبلية، ما جدوي الكلام العاقل وسط مباريات كرة القدم التي يشجع فريقيها جمهور من المتعصبين الحمقي هؤلاء الراغبين في قتل وذبح وموت الفريق الآخر انتصارا وسحقا له خروجا عن كل قواعد اللعبة المعروفة! ليس هناك جدوي! هكذا الأمر باختصار!

لا أفهم جيدا ما يحدث، لا أري الصور بكل تفاصيلها، لا أري جدوي من الحديث، لا أحد يهتم بالتفكير فيما يحدث ومحاولة استنباط أسبابه وفهمها، إذن هو الصمت علاجا ناجحا للحيرة الحالية وحتي إشعار آخر!

هذه مقالتي الأخيرة في الشأن السياسي المصري، بعدها سأصمت وأتابع مثل الملايين، سأصمت وأتفرج مثل الملايين، هؤلاء الملايين العازفين عن المشاركة العازفين عن التعبير عن أنفسهم، ربما لأن أحدا لا يعبر عنهم، ربما لأن كل ما يحدث لا يخصهم، ربما لأن كل ما يحدث ليس له أي قيمة عندهم، ربما لأنهم لا يصدقون كل ما يحدث وكل ما يقال، ليس مهمًا السبب في العزوف والصمت، لكنهم صامتون عازفون عن المشاركة حتي بالاهتمام مجرد الاهتمام! وبما أننا نتكلم عن الشعب كثيرا ونزعم أننا نعبر عنه ونفهم رغباته ونتحدث بلسانه، بما أننا نتكلم عن الشعب كثيرا فلا أقل من الانضمام لصفوف أبنائه الصامتين الرافضين للمشاركة في أي شيء مما يحدث حولهم، سأنضم للشعب الصامت يتابع ولا يشارك، يتفرج ولا يلعب، يسخر من كل ما يحدث ولا ينطق، ربما سأصفق أو أغضب أو أرفض أو أقبل كل أو بعض ما يحدث، سأنضم لصفوف الشعب الذي ينتظر بمنتهي الصبر من ستأتي به الأيام يوما ليعبر عنه ويحقق أحلامه المشروعة البسيطة في حياة أفضل وأجمل وأكثر احتراما وإنسانية!

بعد نهاية السطر الأخير في هذه المقالة، سأصمت تماما مثل ملايين المصريين وأكتفي بالمتابعة والمشاهدة و«الفرجة».

في هذه المقالة سأحاول قراءة الواقع، أقول سأحاول، وبعدها سأصمت أنتظر ما الذي سيحدث! وبعدما تجري المياه الكثيرة في النهر وتتضح الصورة وتنكشف عن أوراقها، بعدها سأعود وأكتب، تحليلا لما يحدث! أو لا أكتب أساسا هذا أيضًا ربما لن يفرق!

فما يحدث الآن غير مفهوم غير معقول وربما غير مقبول! سأحاول قراءته في سطوري المقبلة، ربما أفهم وربما يزداد الأمر غموضا فيكون الصمت ضرورة ولحين إشعار آخر!

(1) أحاول قراءة الواقع وفهمه!

نحن علي أعتاب فصل جديد في كتاب الحياة السياسية المصرية!

في 2011 ستتم الانتخابات الرئاسية الجديدة! استعدادا لتلك الانتخابات ما الذي يحدث هذه الأيام علي المسرح السياسي المصري؟!

انتخابات الرئاسة في عام 2011، قبلها انتخابات مجلس الشعب، انتخابات مجلس الشعب ستؤثر علي انتخابات الرئاسة التي ستتم بعدها طبقا لقواعد الدستور، لكن قطاعًا كبيرًا من المعارضة السياسية المصرية لا يفكر في انتخابات مجلس الشعب ولا منشغل بها لكنهم في نفس الوقت يطالبون بتغيير الدستور ليسمح بالترشح للمقعد الرئاسي بلا قيد ولا شرط! لماذا؟ لأنه لا يعجب تلك المعارضة السياسية بالطبع القيود الدستورية الحالية علي الترشح للمقعد الرئاسي سواء ضرورة تأييد عدد من أعضاء مجلسي الشعب والشوري والمجالس المحلية لأي مواطن حتي يمكنه الترشح حسبما حدد الدستور وأيضًا لا يعجبهم ضرورة حصول الحزب السياسي علي نسبة معينة من الأصوات في الانتخابات النيابية كشرط لترشيح أحد قيادات الحزب نفسه للمقعد الرئاسي!

القيود الدستورية لا تعجب المعارضة السياسية، وتطالب بالتغيير! لكني أفكر في اعتراضاتهم ومعناها ونتائجها. هل أوافق عليها؟ وإذا كنت لا أوافق عليها هل هذا يعني أني أدعم الحكومة في مواجهة الشعب وضده!

هم - أي المعارضة السياسية المصرية بجميع فصائلها - يرون أنه من حق أي مواطن مصري أن يترشح لانتخابات المقعد الرئاسي، دون شرط ضرورة تأييد ترشيحه من عدد من الأعضاء النيابيين المنتخبين (باعتبار أن أي مرشح غير مرشح الحكومة لن يحصل علي ذلك التأييد لأن الأعضاء النيابيين المنتخبين سيؤيدون مرشح الحكومة لأنهم كلهم تابعون للحكومة باعتبار أن كل غير الحكوميين سيسقطون في الانتخابات سواء بالتزوير والعنف الحكومي سواء لأي أسباب أخري) إذن تطالب المعارضة بتغيير الدستور لأنها تفترض أنها - أي المعارضة - بكل فصائلها ستفشل في كل الانتخابات النيابية ولن تحصل من كل المجالس النيابية (شعب- شوري- محليات) علي نسبة التأييد اللازمة لإمكانية الترشح للمقعد الرئاسي! وهذا الافتراض هو المبرر المنطقي للمعارضة لطلب إلغاء القيود الدستورية سالفة الذكر هذا من ناحية!

من ناحية أخري فالمعارضة الحزبية تحديدًا تعترض أيضًا علي القيود الدستورية، لماذا، لأن كل الأحزاب تفترض - كمبرر لاعتراضها - أن مرشحي حزبها - في الانتخابات البرلمانية - لن يحصلوا علي نسبة الـ5% من إجمالي الأصوات وبالتالي لأنها لن تحصل علي تلك النسبة، لن تستطيع ترشيح أحد قيادي حزبها لانتخابات المقعد الرئاسي، وبالتالي لن يستطيع إلا الحزب الحاكم الحصول علي ما يزيد علي تلك النسبة وبالتالي لن يقوي أي حزب علي ترشيح أي قيادي من قيادييه للمقعد الرئاسي إلا الحزب الحاكم!

إذن في حقيقة الحال، المعارضة السياسية المصرية تري أن القيود الدستورية ستحول بينها وبين إمكانية تقديم مرشح للمقعد الرئاسي، لأن المعارضة السياسية المصرية تري أنها لن تحصل علي تأييد أعضاء المجالس النيابية ولن تحصل علي نسبة الأصوات المطلوبة من إجمالي الأصوات النيابية للدفع بقياديي الأحزاب للتنافس علي المقعد الرئاسي!

إذن نحن لن نحصل علي النسب المطلوبة للترشح! لكننا نرغب في الترشح!

هل هذا هو الموضوع؟

أليس من حقي ببراءة أسأل وماذا عن فرصها في النجاح! فإذا كانت المعارضة السياسية المصرية مجتمعة تري أنها لن تفلح في إدخال أعضاء في جميع المجالس النيابية (شعب وشوري ومحليات) تكفي لتأييد ولو مرشح واحد تتفق عليه المعارضة كلها لخوض المعركة الانتخابية الرئاسية، وإذا كانت المعارضة السياسية الحزبية تري أن أي حزب لن يفلح في الحصول علي نسبة الـ5% من إجمالي أصوات الناخبين في مجلسي الشعب والشوري تكفي لدفع أحد قياديي ذلك الحزب لخوض المعركة الانتخابية الرئاسية، فلو تصورنا جدلا أن تلك القيود قد رفعت وأصبح حق الترشح مباحًا لأي شخص - بصرف النظر عن صلاحيته وجماهيريته وقوته وتاريخه النضالي وشعبيته - وأصبح من حق المعارضة السياسية المصرية أن تزج في تلك المعركة ليس بمرشح واحد بل بألف مرشح، كيف سينجح هؤلاء المرشحون في الانتخابات؟ ألن ينجحوا بأصوات الناخبين؟ أليس هم ذاتهم الناخبون الذين لم يمنحوا تلك الأحزاب نسبة قليلة من أصواتهم في الانتخابات النيابية تكفي لترشيح أحد قيادييها؟

أم إن هدف المعارضة السياسية المصرية وقت الزج بمرشحيهم للمقعد الرئاسي ليس تصور إمكانية نجاحهم في الانتخابات وإنما فقط إمكانية الترشيح وفقط؟ أم أن المعارضة السياسية المصرية تتصور أنه وقت رفع القيود الدستورية، والزج بعشرات المرشحين، ستتمكن المعارضة - بعصا سحرية - من حشد أصوات الناخبين بالملايين ودفعهم للتصويت لمرشحيها! وإذا كانت المعارضة السياسية المصرية تتصور أنها ستفلح وقتها بحشد أصوات الناخبين بالملايين وإقناعهم بالتصويت لها علي المرشح الرئاسي، فلماذا لم تفلح المعارضة السياسية طوال عمرها في التجربة الديمقراطية الحديثة منذ عام 1976 في إقناع ملايين الناخبين بالتصويت لها في معارك أصغر وأقل أهمية كثيرًا من معركة المقعد الرئاسي! ربما السبب أن الحكومة مستبدة وقمعية وغير ديمقراطية وتزور الانتخابات وتحول بين المعارضة وبين جماهيرها، إذا كان الحال كذلك، ما الذي تتصوره المعارضة بشأن الحكومة إذا ما رفعت القيود الدستورية، هل تتصور أنها ستتبدل لحكومة من الملائكة الديمقراطيين التي ستتيح الفرصة كاملة وبمنتهي الروح الرياضية للمعارضة كي تمارس حقها الديمقراطي في تداول مقاعد السلطة والحكومة والرئاسة!

هل المشكلة التي يعيشها الوطن في أزمة الديمقراطية وتداول مقاعد الحكم، أن الحكومة غير ديمقراطية، أم المشكلة أن المعارضة ضعيفة؟ وهل ضعف المعارضة فقط بسبب عدم ديمقراطية الحكومة أم لأسباب تتعلق بالمعارضة ذاتها! لماذا لا يؤيد الشعب المعارضة؟

هل لأنه يؤيد الحكومة وراض عنها؟ هل لأن المعارضة لا تعجبه؟ هل لأنه خائف من تأييدها خوفا من بطش الحكومة؟ أم أن الشعب لا يفكر في الأمر أساسًا؟ هل المشكلة في الشعب ذلك السلبي الذي لا يشارك في العملية الانتخابية أساسًا ولم يستخرج بطاقات انتخابية رافضا المشاركة في تلك اللعبة، ومن استخرج منه بطاقات انتخابية استخرجها لأسبابه الخاصة البعيدة عن الصراع بين الحكومة والمعارضة، وحين تبدأ الانتخابات يبيع صوته الانتخابي لمن يدفع أكثر أو ينتخب من يمليه عليه ضميره القبلي أو العائلي بصرف النظر عن السياسة ودهاليزها؟ هل المشكلة في القيود الدستورية، أم المشكلة في طريقة الانتخابات وعدم نزاهتها وعدم شفافيتها، أم المشكلة في عزوف الناس عن المشاركة في الانتخابات، أم المشكلة في عقلية الناخب الذي مستعد لبيع صوته لمن يدفع أكثر أو تقديمه علي طبق من فضة لابن العشيرة أو القبيلة أو العائلة أو لصاحب السطوة أو النفوذ أو الجاه!

أين المشكلة؟ أليس مهما أن نفهم ما الذي يحدث حولنا؟

إذا فهمنا وشخصنا الداء أمكننا معرفة الدواء! أين المشكلة؟

(2) أحاول قراءة الواقع وفهمه!

أفكر كثيرًا حتي يكاد رأسي يحترق، أتابع كل ما يحدث حولي، أتأمل أخبار الصحف والمانشتات، تعليقات القراء علي مواقع الصحف علي الإنترنت، تعليقات الناس علي الفيس بوك، أقرأ بعناية السطور وما بين السطور، أنصت للحوارات الخاصة بين البشر، أقرأ ملامح وجوههم، أحاول استشف المسكوت عنه، أحتار كثيرًا في فهم ما يحدث، لا أصدق أنه بالطريقة التي يحدث بها! أشك كثيرًا في فهمي وإدراكي لما يحدث، أراجع قناعاتي، مواقفي السياسية، أحلامي للوطن، أراجع كل شيء، أتعجب من نفسي أولاً، لماذا لا أفهم ما يحدث، بل لماذا لا يعجبني، لماذا لا أتحمس له، أقرأ كل خبر بعناية، ما هو المقصود من نشره، ما هو الخطاب الذي يتضمنه، ما هي النتيجة التي يهدف إليها المتحدث أو الكاتب أو المعلق، ما هي النتيجة التي سنصل إليها، ما هي النتيجة التي يدفعنا إليها!

بعض المصريين غاضبون من حال الوطن وحالهم، بعضهم غاضبون، ربما الجميع، لا أعرف! لكن إذا كان الجميع غاضبين حسب زعم بعض الأحزاب والتيارات والقوي السياسية، إذا كان الجميع غاضبين، لماذا لم يقو الغاضبون وهم الجميع لماذا لم يقووا علي إجراء التغيير المنشود لهؤلاء «الجميع»!

سؤال مهم يشغلني وأفكر فيه كثيرًا! هل الثمانون مليون مصري وأكثر جميعهم ضد حكومة الحزب الوطني وسياساتها الاقتصادية الاجتماعية؟ وإذا كان الثمانون مليون مصري وأكثر فعلاً ضد الحكومة ورافضين لسياساتها ولا أقول معارضين لأن المعارضة حالة إيجابية تتجاوز الرفض للتعبير عنه، إذا كانوا جميعهم فعلا ضد الحكومة، لماذا لم يتجاوز هؤلاء الملايين حالة السلبية لحالة المعارضة الإيجابية.

لماذا لم يسع هؤلاء الملايين، ويبذلوا مجهودًا لتغيير تلك الحكومة التي يرفضونها! هل لأنهم مازالوا في مرحلة الرفض السلبي ولم يتجاوزوها لمرحلة المعارضة والفعل الإيجابي؟ هكذا يقول البعض، الشعب المصري سلبي! ويركن إلي تلك السلبية لتبرير عزوفه وانصرافه عن الشأن السياسي كله! لكن هذا قول متناقض غير منطقي، الجميع غاضب الجميع سلبي الجميع عازف عن المشاركة الجميع ينتظر النخب السياسية - حسب تصورات النخب السياسية وليس حسب ما أفصح عنه الشعب - لتأتي له بالعصا السحرية تغير حاله وأوضاعه التي يكرهها ويتمني تغييرها! أظن هذا كلامًا غير حقيقي وغير واقعي!

أظن أن الادعاء بأن الثمانين مليونًا غاضبون رافضون معادون لحكومة الحزب الوطني ادعاء غير صحيح وغير حقيقي، نعم يتردد كثيراً هذا الكلام ليبدو حقيقيا لكني أظنه غير حقيقي! وإذا كان كلامي الأول يصف أمراً غير حقيقي رغم الترويج له ليبدو حقيقيا وواقعيا، فما هو الحقيقي؟ الجميع راضون عن الحكومة وسعداء بها ويصفقون لها طيلة الوقت، هل هذا حقيقي؟ هل الجميع راضون سعداء والنخب السياسية تعيش وهماً زائفاً؟ لا.. هذا أيضاً ظن غير حقيقي وغير واقعي! إذن ما هو الحقيقي الواقعي.. أليس مهمًا أن نفهم لنتصرف؟ أليس تشخيص الداء أول طريق العلاج، وما هو الداء يا أيها الأطباء الماهرون؟

لماذا أشعر بأن المجتمع المصري اليوم يعيش حالة مثل تلك التي عاشها العميان في الأسطورة الهندية وقت التفوا حول الفيل وتباروا في وصفه حسبما أحسه كل منهم، من وضع يده علي «الزلومة» وصف الفيل باعتباره رفيعًا اسطوانيا يعلو ويهبط، ومن وضع يده علي «البطن» وصف الفيل باعتباره عريضًا كبيرًا رخوًا، ومن وضع يده علي «الساق» وصف الفيل باعتباره كجذع شجرة أسطواني يعلوه سقف صلب!

كان جميعهم يصف ما يحسه ويشعر به لكن كلاً منهم يصف وصفاً منقوصاً غير دقيق لا يتجاوز مساحات إحساسه الشخصي!

هل فعلاً المصريون حكومة ومعارضة وشعبًا مثل العميان في الأسطورة الهندية، كل منا يصف ما يراه وفقط لكنه لا يصف الحقيقة!

(3) مازلت أحاول قراءة الواقع!

إذا كان بعض الثمانين مليونًا رافضين للحكومة وبعضهم راضيا عنها وربما داعمًا لها، فكم نسبة الراضين المؤيدين لنسبة الرافضين المعارضين؟ هل تعرف الحكومة من الذي يؤيدها ولماذا يؤيدها؟ هل تعرف من الذي يرفضها ولماذا يرفضها؟ هل تعرف المعارضة بكل فصائلها المختلفة من الذي يؤيدها ولماذا يؤيدها؟ ومن الذي يرفضها ولماذا يرفضها؟ أسئلة كثيرة تحيرني أفكر فيها كثيراً ولا أجد لها إجابات.

أسئلة تفرض نفسها علي وسط صخب وضجيج سياسي رهيب، صخب تسمع قرقعته في وسائل الإعلام والفضائيات والبرامج الحوارية وتقرأ عنه في الصحف والمجلات والمانشيتات الصحفية الساخنة، صخب سياسي وضجيج قد يخدع المراقبين أحياناً ويشير لما ليس حقيقيا، أو يشكل جزءًا من الحقيقة لكن ليس كلها!

ما الذي يحدث؟

التيارات السياسية المعارضة باختلافاتها الكثيرة لا تتفق إلا علي زعم مفاده أن الشعب كله ضد الحكومة غاضب من سياساتها رافض لتوجهاتها يتمني تغييرها، وهذا التصور يقودنا بالضرورة لنتيجة واحدة حسب تصورات المعارضة، هي ضرورة سعي الشعب للتغيير وإصراره عليه، لكن الشعب ساكن وساكت لا يسعي للتغيير حسب تصورات المعارضة، فالواقع الحقيقي يتناقض مع افتراض المعارضة الذي تروج له في جرائدها وتصريحات زعمائها طيلة الوقت.. التيارات السياسية تصف معضلة تستعصي علي الملائمة، الجميع غاضب لكن الجميع سلبي ساكن!

في نفس الوقت التيارات السياسية المعارضة لم تفسر لنا المعضلة التي نعيشها - حسب ادعاءاتها - من أن الشعب كله ضد الحكومة ومفترض نظريا أنه يؤيدها- أي المعارضة - ورغم هذا فإن ذلك الشعب نفسه لا ينتخب المعارضة ولا ينشط في صفوفها ولا يدعمها، فالشعب مازال بعيدا عن عضوية الأحزاب ومقاراتها الحزبية ودعم مرشحيها انتخابيا!! أم إن ما تصفه التيارات السياسية المعارضة ليس وصفا حقيقيا دقيقا للواقع، والأمر لا يعدو مرآة ينظرون فيها فيرون الغضب المرتسم علي وجوههم كأنه الحقيقة الوحيدة في الحياة!

بل إذا كان الجميع غاضبين كما يقول البعض، فهل الجميع غاضبون لنفس الأسباب، وهل الجميع يهدفون للتغيير بنفس الشكل ونفس النتيجة؟

أنا شخصيا لا أظن أن الجميع غاضبون لذا أقول حسبما أري أن بعض المصريين غاضبون من حال الوطن، غاضبون من الدستور، غاضبون من الحكومة، غاضبون من الحزب الوطني وهؤلاء الغاضبون يصرخون يطالبون بالتغيير، لكن حتي هؤلاء الغاضبين ليسوا متماثلين ليسوا متطابقين لا ينبعث غضبهم من بوتقه واحدة، ولا يهدف لنتيجة واحدة، الغاضبون يصرخون يطالبون بالتغيير لكنهم لا يقولون ما هو شكل التغيير المنشود، ولا يقولون ما هو شكل المجتمع الذي سيأتي به التغيير، ربما يرد علي البعض بأنه ليس مهما شكل التغيير ولا مهمًا شكل المجتمع الذي سيكون، إنما المهم التغيير والتغيير فقط.

ووصولا للتغيير الذي لم يقل أحد شكله، يتكاتف - كل أو بعض - السياسيين المعارضين المختلفين مع الحكومة والنظام الرافضين لهم، يتكاتفون جميعا علي اختلاف أفكارهم وآرائهم السياسية والاجتماعية والعقائدية والاقتصادية يتكاتفون لحشد وتجميع الغاضبين- علي اختلاف أسباب الغضب ومستهدفاته - وشحذ غضبهم وصولا للتغيير الذي أصبح من وجهة نظر هؤلاء هدفا عظيما ساميا، أما بعد التغيير - بفرض النجاح في الوصول إليه - فوقتها «يحلها الحلال»!

التغيير وفقط هو الهدف، ليس مهما «لايه» ولا «ازاي»، المهم التغيير هو الهدف!! بل ربما تكون الفوضي من وجهة نظر هؤلاء هي الهدف في حد ذاته! الفوضي! وربما تكون الفوضي من أجل التغيير!

(4) مازلت أحاول قراءة الواقع!

ربما يكون هذا هو الهدف! الفوضي من أجل التغيير! ربما يكون هذا هو الهدف الحقيقي لكل ما يحدث، أي شيء غير ما هو موجود، أحسن أسوأ، هذا ليس أمرًا مهمًا، المهم التغيير التغيير!! فالغضب غير المنظم غير السياسي، الغضب من كل شيء وأي شيء، الغضب الذي يشحذه الكثيرون كل يوم.. ينفخون في ناره لتشتعل حريقا مروعا، لن ينتج حياة ديمقراطية سليمة وتداول سلطة ومقاعد الحكم، هذا الغضب لن يثمر إلا فوضي عارمة متجاوزًا كل الأطر وكل القواعد وكل الأفكار وكل البرامج، لن يثمر إلا فوضي عامة مخيفة ربما تؤدي لتغيير لكنه تغيير كارثي مأساوي!

ربما يقول لي قائل: وما لها الفوضي؟ أليست أجمل من الجمود والركود والرتابة ومما نحن فيه؟! وربما يقول لي قائل: لماذا ترفضين التغيير، هل يعجبك ما يعيشه الوطن.. هل تعجبك حياتنا اليومية ومشقتها؟ لا لا يعجبني ما يعيشه الوطن ولا ما يعيشه المواطنون، ولي في شأن حياتنا انتقادات عظيمة، لكني في نفس الوقت أري أن حياتنا التي نعيشها بكل عيوبها ومساوئها واعتراضاتي ورفضي وانتقاداتي لها تعد رحمة ورفاهية تهون بجوار أشكال وأنواع أخري لحياة أخري أبشع وأسوأ وأفسد، قد نجد أنفسنا والوطن قد انزلقنا إليها ونحن نلهث بحماس شديد خلف شعار التغيير الغامض أو الفوضي التي تقود للتغيير!

في نفس الوقت إن وصلنا لهذا المستوي العبثي غير المسئول في المنافسة والاستهتار «ومالها الفوضي» ونحن نتكلم عن الوطن وحالة ومستقبل أبنائه، لا أملك إلا الغضب والصمت!، لماذا، لأن الوطن ليس ورقة كوتشينة نلعب بها باستهتار علي منضدة القمار، ولأن حياة المواطنين ليست بخسا للحد الذي نغامر بها دون اكتراث!! والفوضي تظل فوضي.. حالة سلبية عشوائية مخيفة حتي لو وصفت بأنها الفوضي الخلاقة أو الفوضي المنظمة أو أي أوصاف أخري! الفوضي مرفوضة بجميع أشكالها وأي ما كانت مبرراتها، ولا يعقل، وأنا هنا اتكلم عن حياة سياسية وأحزاب ومعارضة ونخب ومثقفين وأناس مخلصين للوطن محبين له، ولا يعقل أن نستغل غضب الناس من حياتهم، وهو غضب مشروع ومبرر، لا يمكن أن نستغل ذلك الغضب للتلاعب بالناس وخداعهم وإيهامهم بأن التغيير في ذاته، بصرف النظر عن التفاصيل، هدف عظيم يا ليتنا نصل إليه! فالتغيير العبثي العشوائي مع رفضي لكثير مما نعيشه، قد يسفر عن كوارث ومصائب للوطن وللناس وللمجتمع، التغيير ليس هدفا في ذاته، التغيير للأفضل هو الهدف، وعلي كل منا أن يحدد الأفضل من وجهة نظره، ويعتبر ذلك معيارا مهما لرفض أو قبول كل ما يحدث وكل ما يقال، وواجب الأحزاب السياسية والمعارضة والنخب والمثقفين وقت تطرح شعار التغيير أن تخبر جمهورها وأبناء الوطن بمنتهي الأمانة والصراحة والشجاعة بشكل التغيير الذي تنشده وطبيعته وشكل المجتمع الذي تسعي إليه نتيجة لهذا التغيير، فنحن لسنا بنعاج تقاد في طريق مجهول يلوح لنا بالجزرة، وأعواد البرسيم والجرس المدوي فنجري وراءها بمنتهي الحماس فنصل للكارثة التي زين إلينا الطريق إليها باعتباره منتهي الأمل والمني والوطنية والثورية!! والتغيير للأفضل يستحيل أن ينبت في أرض الفوضي والعشوائية والعبث ....

( الجزء الثاني - ماذا يحدث في المجتمع المصري الان )

أين برامج فرقاء المعارضة.. اكشفوها للناس؟!

استكمالاً لحديثنا في الجزء الأول من مقالي ما الذي يحدث في المجتمع المصري هذه الأيام؟.

اؤكد ان التغيير! كلمة براقة جميلة عظيمة! لكن التغيير لإيه؟ أليس هذا حقي وحق كل مواطن يعرف التغيير لإيه؟ سيما أن الدعاة للتغيير الآن في مجتمعنا ليس إلا مجموعة فرقاء متناقضين في الأهداف السياسية والقناعات والأفكار، فرقاء متناقضين في الأحلام وشكل المجتمع الذي يسعون إليه، فرقاء متناقضين في البرامج السياسية والشعارات، يجمعهم جميعا -الآن وبشكل مؤقت- علي تناقضهم العنيف المبدئي الرغبة العارمة في التغيير، ويحدثوننا الآن بصوت واحد كأنهم توحدوا فعلا، يحدثوننا ويحمسوننا لتأييد جمعهم من أجل التغيير، لكن لم يقولوا لنا وماذا بعد أن نصبح «كلنا إيد وحدة يا بهجت» ويصل الأتوبيس الذي يقلنا جميعا لمحطة التغيير التي يزعم الكثيرون أنها باتت قريبة وأوشكنا علي الوصول إليها.

5- ما زلت أحاول قراءة الواقع!


ماذا بعد، كيف سيكون شكل الطريق «لنهاية الخط»، لن يدوم اجتماع الفرقاء ولن يظلوا علي حالة التسامي العظيم والترفع فوق اختلافاتهم المبدئية العقائدية، بعد محطة التغيير التي سندفع جميعا -المطالبين بالتغيير- حافلتهم للوصول إليها، بعد تلك المحطة سيختلفون لأن ما بينهم أساساً الاختلاف وليس الاتفاق، وسيتشرذم أصدقاء وحلفاء اليوم وتظهر المواقف الحقيقية والشعارات الحقيقية والبرامج الحقيقية والوجوه الحقيقية، إذا كان الحال كذلك، لماذا لا نلعب -الآن- علي المكشوف؟ لماذا لا يطرح كل فصيل أو تيار سياسي برنامجه وهدفه ورؤيته للمستقبل ويتركوننا بمنتهي الحرية -النظرية علي الأقل- نختار ونؤيد وندعم ما نراه متفقا وأفكارنا وأحلامنا ونرفض ما نختلف معه، لماذا يضعون كل البيض في سلة واحدة فتتوه الفوارق وتتداخل الألوان ونصاب جميعا بـ«عمي الألوان» فلا نري شيئًا ولا نفهم شيئًا ونساق كالقطيع في طريق لا نعرفه، لا نعرف أوله ولا آخره ولا هدفه ولا محطته الأخيرة!

التغيير للأفضل وفقا للبرامج السياسية والاقتصادية والاجتماعية وفقا للانحيازات الطبقية، وفقا لمبادئ العدالة والديمقراطية والحرية، التغيير للأفضل عبر صناديق الانتخاب والعملية الديمقراطية علي عيوبها ومساوئها «التزوير، الانفاق الملاييني، شراء وبيع أصوات الناخبين، العصبية والقبلية والطائفية الدينية، انعدام الرقابة القضائية أو صوريتها، تحالف المال مع القوة بحثا عن سطوة سياسية ونفوذ، عدم تكافؤ الفرص وقت العملية الانتخابية، تقييد الحق في الدعاية الجماهيرية والسرادقات والظهور في أجهزة الإعلام «هذا حديث يختلف تماما عن شحذ الغضب وإشاعة روح اليأس بين الناس واستثارة الفوضي.

6ـ ما زلت أحاول قراءة الواقع!


عفوا، فأنا أقف مندهشة، أمام ما يحدث في المجتمع المصري وبالأخص في أجوائه السياسية مندهشة لا أفهم!

في الوطن أحزاب وتيارات سياسية كثيرة، تعبر عن كل ألوان الطيف السياسي المعروف، بخلاف الحزب الحاكم وحكومته، هناك أحزاب يمينية، بعضها ليبرالي وبعضها رجعي متحفظ تؤمن بالاقتصاد الحر وآليات السوق.

أحزاب يسارية منحازة للأغلبية الكادحة والطبقات الفقيرة، علنية وسرية، بعضها اشتراكي وبعضها ناصري، أحزاب ديمقراطية ودستورية تنادي بالتغييرات الدستورية وتؤمن بها وتنادي بتداول السلطة وإلغاء القوانين المقيدة للحريات، تيارات دينية إسلامية ومسيحية تعبر عن كافة المدارس الدينية المتشددة والرجعية والمتحفظة والمتقدمة.

حركات حقوقية تدافع عن حقوق الإنسان وتقاوم التمييز ضد النساء وتتبني حقوق الأقليات الدينية وضد التمييز الديني ومع المواطنة بعضها يدافع عن المستهلكين وبعضها يتبني مطالب المستأجرين والحق في السكن وبعضها يدافع عن استقلال القضاة والمحاماة، وبعضها يقدم خدمات قانونية للفقراء والنساء والمهمشين وبعضها يهتم بالقضايا النقابية والعمالية. حركات احتجاجية سياسية «كفاية»، «من أجل التغيير»، و«شايفنكم»، «ما يحكمش»، حركات غضب مطلبي، عمال شركة المحلة، خبراء وزارة العدل، أهل جزيرة، ضحايا السيول، أهالي الغارقين في العبارة، موظفو الضرائب العقارية، الممرضات، الدعاة، المحامون وقت قانون الرسوم القضائية، الصيادلة، وقت المحاسبة الضرائبية، مهندسون تحت الحراسة، الصحفيون بالجرائد التي أغلقت يطالبون برواتبهم من فوق سلم نقابتهم وكثيرون غيرهم.

هذا بخلاف عشرات الصحف والجرائد غير الحكومية بعضها يصدر عن الأحزاب ويدافع عن برامجها السياسية وبعضها يصدر عن مؤسسات وأشخاص وشركات، بعضها يساري وبعضها ليبرالي وبعضها يدافع عن التيارات الدينية وبعضها يهاجم بالأساس الدولة والحكومة وكل من يتبع لهم، بعضها يغير موقفه وتحالفاته لأسباب مختلفة بعضها سياسي وبعضها اقتصادي مالي وبعضها مرتبط بتغيير الإدارة ورئيس مجلس إدارتها!

أيضًا بخلاف الظاهرة المصرية المسماة بالشخصيات العامة، هؤلاء المعارضون للحكومة الرافضون لسياساتها.

في نفس الوقت يرفض هؤلاء الشخصيات العامة الانضواء تحت رايات العمل الحزبي ويتعالون علي جهد وانضباط وقيود الحياة الحزبية بكافة أشكالها، بل يعتبر كل منهم نفسه حزباً قائماً بذاته.

هؤلاء الذين يشكل كل منهم مع نفسه بنفسه حالة سياسية، لا يشارك في العمل الحزبي لكنه موجود علي الساحة السياسية بأفكاره أو توقيعاته علي بعض العرائض والمطالب أو بمقالاته في هذه الصحيفة أو تلك، شخصيات عامة كل منهم حالة سياسية خاصة - بصرف النظر عن قناعاته الفكرية - تفسح لهم أسماؤهم البراقة - بصرف النظر عن مصدر بريقها ومبرره وظيفة، موهبة، إبداع، عمل، موقف ما، مقعد نيابي مقعد نقابي سابق - لهم مكانا مستقلا إلي جوار الأحزاب والتيارات السياسية علي مسرح الحياة السياسية المصرية.

هم في أغلبهم جنرالات بلا جنود، ليسوا قادة حزبيين لهم جمهورهم وأعضاؤهم، ليسوا أعضاء نيابيين أو قادة نقابيين لهم أصواتهم الانتخابية التي حملتهم لمقاعدهم في النقابات ومنظمات المجتمع المدني، لكنهم أسماء معروفة، تحدث في ذاتها صخبا وضجيجا، ولها بعض المعجبين والمؤيدين لأفكارها أو مواقفها، لكن الأمر لا يتخطي إطار الإعجاب والانبهار أحيانًا لأي شيء حقيقي منتج وفاعل!

المشهد السياسي المصري فيه صحف وجرائد مملوكة لأشخاص ربما رجال أعمال سياسيين يدعون عدم الاهتمام بالسياسة ربما صحفيين يبحثون عن الثروات المليونية من حصيلة الإعلانات عبر العناوين النارية المعارضة للحكومة التي تجذب الغاضبين أو بعضهم للقراءة وشراء الجريدة وزيادة أرقام التوزيع.

تلك الصحف تصدر من عددها اليومي أو الأسبوعي في أفضل الأحوال بضع عشرات أو مئات من الألوف.

تلك الصحف تتصور هي وملاكها وأطقم تحريرها وصحفيوها أنهم يقودون الشعب المصري بمانشيتاتهم، تتصور أنها تصنع وجدانهم وعقولهم وتسيرهم في الاتجاه الذي ترغب فيه، مع أن مائة أو مائتي أو ثلاث مئات من الألوف من أي جريدة وسط شعب ثمانين مليوناً وأكثر تصل نسبة الأمية فيه لقرابة الـ40% هي كمثل قطرة عذبة في محيط مالح لا تملك تأثيرًا ولا تحدث تغييراً! حتي هؤلاء مصدري الصحف وملاكها وهم يتصورون أنهم يقودون الشعب المصري لم يفصحوا لنا عن الهدف الذي يقودون الشعب المصري في اتجاهه ولمصلحة من؟ الحكومة؟ المعارضة؟ الديمقراطية؟ الدولة المدنية؟ الدولة الدينية؟ الفوضي؟ في نفس الوقت تنشر تلك الجرائد والصحف كل ما يراكم الغضب لدي المواطنين.

كل ما يستثير قرفهم واكتئابهم ويحبطهم! ويصرخون ليل نهار.. التغيير التغيير! المشهد السياسي المصري، صاخب، متشابك، مليء بالضجة، انتقادات وأخبار وفضائح ونبرة عالية محتدة وصراخ أحيانًا، مظاهرات، وقفات احتجاجية هنا وهناك، بعضها مطلبي وبعضها سياسي وبعضها ديني، اتهامات متبادلة مستمرة ودائمة، غضب مستتر وأحيانًا متفجر، إشكاليات طبقية، طائفية، مقالات نارية بعضها تحريضي، بعضها مليء بالسخط والسخرية، بعضها مليء بالانتقاد والغضب، برامج تليفزيونية يومية تعرض كل شيء وتنتقد كل شيء وتهاجم كل شيء! المشهد السياسي المصري، يراه البعض ديمقراطيا يسمح بالكتابة والقول والاحتجاج والتظاهر «أحيانًا» ويراه البعض مليئا بالقيود وبعيداً عن المعني الحقيقي للديمقراطية ويحول بين تداول السلطة وحرية التعبير وتكوين الأحزاب بلا قيود!

لكن كل هذا الصخب السياسي في الأوقات المهمة لا ولم يثمر شيئًا، لم نر زعامات سياسية جماهيرية حقيقية تصلح لقيادة الأمة والوطن، ربما قدمت الأحزاب والتيارات السياسية عبر تاريخها الحديث بعض الوجوه البراقة التي تصلح لمقعد برلماني أو منصب نقابي، لكنها لم تقدم زعيما للأمة زعيما للوطن، لم تقدم شخصيات مجمعة تصلح لقيادة الوطن - رغم الاختلاف حولها أو عليها - نحن لم نسمع عن أسماء رنانة لها تاريخ وثقل حقيقي وتراث نضالي يعرف عنها القاصي والداني في كافة أرجاء الوطن من أقصي شماله الغربي لأقصي جنوبه الشرقي يتوافق الجميع عليها ويقبلون جميعًا الانصياع تحت رايتها والدفاع عنها وعن شعاراتها ويقدمون حياتهم زودا عن حقها في الوجود، بل أكاد أقول.

الشعب يتابع كل ما يحدث حوله من صخب وضجيج من باب التسلية وكسر الملل، فكل الجهد الذي يبذل في الحياة السياسية المصرية لم يسفر عن تحميس وتحريض ودفع الناس للانتظام في الحياة الحزبية والمشاركة في أعمالها ودفع عجلة الديمقراطية للأمام، لا.. كل ما يحدث ينتقد ويهاجم ويغضب وفقط وقد يثمر أعمالاً احتجاجية عنيفة أو غضباً عشوائياً أو فوضي جارفة، كل هذا الصخب والضجيج لا يثمر حياة أفضل بل يؤدي لكارثة لا يعلم إلا الله حجمها في بلد ضخم له تاريخ وحضارة ودور إقليمي عربي وأفريقي وإسلامي وشعبه يزيد علي الثمانين مليوناً من المسلمين والأقباط!

كل هذا الصخب السياسي والانتقادات وشحذ الغضب لم يدفع المواطنين لاستخراج بطاقات انتخابية، لم يدفع المواطنين للانخراط في الحياة الحزبية، لم يدفع المواطنين للخروج من حالة السلبية والعزوف التي يعيشون فيها منذ عقود بعيدة!

(7) مازلت أحاول قراءة الواقع!


هل يتصور أن تكون المعارضة السياسية تري المجتمع المصري بطريقتها! والحقيقة والواقع غير ماتراه! هل يتصور أن تكون هناك أقلية غاضبة - مع اختلاف أسباب الغضب - بينما الأكثرية راضية قانعة وربما بعضها سعيد بما يحدث! والأقلية عاجزة عن تغيير الأحوال لأن الأكثرية لا تسايرها وراضية عما يحدث، لكن الأقلية صوتها عال وغاضبة ولا تكف عن استثارة الغضب وذلك الغضب يلاقي قبولا لدي بعض الأكثرية الراضية لأسباب مختلفة، لكنه قبول لا يكفي لاتباع الأقلية ولا التسليم بقيادتها ولا اتباع أفكارها ولا تقبل برامجها، الأقلية تسلط الأضواء علي السلبيات والعيوب والنواقص في المجتمع، والأكثرية لا تعجبها تلك السلبيات وتلك العيوب في هذا المجال أو ذاك، لكن الأكثرية لا يعجبها تلك العيوب في إطار رضائها عن الحكومة الموجودة ومطالبتها بتحسين حياة الأكثرية وليس في إطار رفض الحكومة الموجودة والمطالبة بتغييرها!

هل يتصور هذا! لا أعلم! لكننا نحتاج قراءة عميقة دقيقة لأحوال المجتمع المصري وتشخيصاً دقيقاً لأوجاعه وأحواله، حتي نفهم وفي ضوء الفهم نتصرف!

هل هذا ما نعيشه؟ هل تعتبر المعارضة أن كل غاضب من أزمة رغيف العيش أو من أزمة أنابيب البوتاجاز أو معتصم علي سلم وزارة العدل أو رافض لنظام التعليم وجموده أو مطالب باشتغال النساء بالقضاء، هل تعتبر المعارضة كل واحد من هؤلاء من ضمن جمهورها وأصواتها وتابعيها ومؤيديها لأنه يرفض هذه الجزئية أو تلك؟

هل يتصور أن أتظاهر غضبا من أزمة رغيف العيش لكني أطالب الحكومة بتحسينه ولا أطالب برحيل الحكومة ذاتها، هل يتصور أغضب من غرق العبارة وأتظاهر للمطالبة بمحاكمة المسئولين عن غرقها وأهاجم الحكومة لأنها لم تتخذ إجراءات رادعة لمنع غرق مثل تلك العبارة، لكني لا أطالب برحيل الحكومة ذاتها هل يتصور هذا؟ في نفس الوقت هل يتصور أن تفسر المعارضة تلك الحركات الاحتجاجية بحجم أكثر من حجمها وتعتبر تلك الحركات الاحتجاجية رصيدا لها في مواجهة الحكومة تعايرها به! كل غاضب من ازدحام المرور معارض للحكومة يتمني رحيلها، كل غاضب من سوء حال رغيف الخبز معارض للحكومة يتمني رحيلها كل من سقط ابنه في الثانوية العامة لصعوبة المناهج وعدم استعمال الرأفة معارض للحكومة يتمني رحيلها كل من بني علي أرض زراعية بغير ترخيص وصدر له قرار إزالة معارض للحكومة يتمني رحيلها، كل من سجن ابنه في الكويت أو السعودية لأنه ارتكب جريمة ولم تعفه الحكومة من العقاب معارض للحكومة ويتمني رحيلها، كل من غرق ابنه في البحر بعد أن باع أرض الأب ومصاغ الأم بحثا عن يوروهات أوروبا معارض للحكومة ويتمني رحيلها؟ هل هذا ما نعيشه! مثلاً.. يتصادم قطاران فيغضب الناس من ذلك الإهمال ويطالبون بتحسين أحوال السكك الحديدية وربما يطالبون بإقالة الوزير ومحاكمة المسئولين عن ذلك الإهمال، لكن هذا لا يتساوي عند هؤلاء الغاضبين بمطلب المعارضة للتغيير الشامل الجذري ورحيل الحكومة وحزبها الحاكم! تنقطع المياه عن حي أو قرية فيغضب الناس من ذلك الإهمال ويطالبون بعودة المياه المقطوعة، وقد يتظاهرون ضد قطع المياه وقد يرشقون جنود الأمن المركزي بالحجارة وقت تحاصرهم وتمنعهم من التعبير عن رأيهم، وقد ترتفع عقيرتهم بالصراخ مطالبين الحكومة بتوفير الحد الأدني الآدمي لحياتهم اليومية، لهذا هذا لا يعني قبول شعارات المعارضة في التغيير الجذري الشامل ورحيل الحكومة وحزبها الحاكم! لكن المعارضة السياسية تعتبر كل هذا الغضب رصيداً لها في مواجهة الحكومة!

أظن - والله أعلم من موقع المراقب البعيد أن المعارضة السياسية تعتبر أي غضب شعبي أيا كان مصدره ومبعثه ومبرره رصيداً لها ودلاله تأييدها! بتجاهل إن هؤلاء الغاضبين لا يمنحون المعارضة أصواتهم الانتخابية بتجاهل أن هؤلاء الغاضبين لم ينضموا للمعارضة ولم ينخرطوا في صفوفها، بتجاهل أن هؤلاء الغاضبين إما عازفون عن المشاركة وتحويل غضبهم لأعمال إيجابية أو ينتخبون مرشحي الحزب الوطني ويسعون خلفهم للحصول علي توقيعاتهم ودعمهم وموافقاتهم في الخدمات البسيطة والحج والعمرة وقطن التنجيد وشقة من شقق المحافظة!

نعم أظن أن المعارضة تعتبر هؤلاء الغاضبين أياً ما كانت قضيتهم جمهورها وتهلل لهم وبرامج تليفزيونية ولقاءات وصور بالصفحات الأولي للجرائد ومنحهم أوسمة البطولة والوطنية، وتستنطق تصرفاتهم بما لا يعنونه ولا يقصدونه! أظن أيضا أن الحكومة تعتبر هؤلاء الغاضبين أعداءها وتنكل بهم دون أن تبذل جهدها في فهم مشاكلهم وأمنياتهم ومبرر غضبهم! لكن أظن أيضا أن لهؤلاء الغاضبين حساباتهم الخاصة لا هم جمهور المعارضة ولن ينتخبوها ولن يسلموها قيادهم وهم ليسوا أعداء الحكومة ولا يطالبون برحيلها، لكنهم يعترضون علي أدائها في كثير من المجالات التي تصعب حياتهم وتجعلها أكثر مشقة فيطالبونها بتحسين أدائها وتحسين حياتهم! قد يكون هذا ما نعيشه دون أن ندري، حكومة ومعارضة وشعباً! قد يفسر هذا ما يحدث! غضب الشعب من الحكومة في نفس الوقت عزوف الشعب عن المعارضة! هل هذا ما نعيشه فعلاً؟

«8» مازلت أحاول قراءة الواقع!


أحترم بشدة أحزاب المعارضة المصرية! حزب التجمع حزب الوفد الحزب العربي الناصري حزب الكرامة.. أحترمهم قيادات وأعضاء وتاريخ نضالياً ومواقف ثابتة وتضحيات ودأباً وجذوراً في الشارع المصري والتاريخ!

بعضهم يناضلون علي الساحة السياسية المصرية منذ ثلاثين عاماً ويزيد! ثابتون علي مواقفهم وبرامجهم السياسية! ربما مازال صوتهم منخفضاً، ربما مازالت فاعليتهم قليلة، ربما مازال تأثيرهم علي الشارع المصري محدوداً.

أحترمهم وإن اختلفت معهم ربما في البرامج السياسية أو التوجهات، ربما في أساليب العمل، احترمهم ولو لم أنضم لأي منهم، فالانخراط في العمل الحزبي يحتاج وقتاً وتضحيات وعطاء ربما لست بقادرة عليه لكنني أحترمهم! ولو ترشح من حزب التجمع وحزب الوفد أو حزب الكرامة أو العربي الناصري أي مرشح للمقعد الرئاسي سأنتخبه ولو ترشح في دائرتي الانتخابية في أي انتخابات برلمانية أو محلية أي مرشح لأي من تلك الأحزاب سأنتخبه!

وربما في لحظة ما تغمرني الحماسة فأتجاوز مرحلة الاحترام السلبي لمرحلة المشاركة الفاعلة فأحضر مؤتمراتهم وأروج لمرشحيهم وأدعو الناس لانتخابهم وفقا لقواعد الديمقراطية! أحترمهم لأنهم أحزاب حقيقية موجودة بالساحة السياسية المصرية! لم يهبطوا عليها بالبراشوت من السماوات البعيدة! لأنهم لم يدعوا اهتماماً زائفاً بالواقع المصري، بينما هم بعيدون عنه كل البعد!

أحترمهم لأنهم يعرفون قيمة الوطن الذي نعيش فيه وسيحافظون عليه بعيونهم ولن يعرضوه ومواطنيه لفوضي ولن يطرحوا العبث والعشوائية منهجا للعمل لن يطرحوا التغيير شعارا فضفاضا وهميا، بل هي أحزاب لديها برامج وخطط عمل، وعندما تدعو للتغيير هي واضحة المرجعية ولا تخدع الجماهير بشعارات فضفاضة براقه مزيفة، ولا تستغل غضبهم ولا تستثيره ولا تدفع الوطن للفوضي إنما تمارس العمل السياسي بمنتهي المسئولية عن الوطن والأمة والشعب والمستقبل!


أحترمهم وأحببت أن أسجل هذا وأذكره للتاريخ و«الجغرافيا» أيضًا!

( الجزء الثالث - ماذا يحدث في المجتمع المصري الان )
«9» مازلت أحاول قراءة الواقع!

هل تتأمل المعارضة السياسية المصرية أحوال الانتخابات غير السياسية في مصر كانتخابات النوادي والروابط والنقابات والاتحاد واللجان النقابية! ما الذي يحدث في تلك الانتخابات!

أليس مهماً فهم المزاج المصري وحال المصريين من ما يحدث في تلك الانتخابات! بعض تلك الانتخابات يبقي علي الوجوه القديمة التي كانت ومازالت وستظل، مهما طال بها الزمن فوق المقاعد! وبعض تلك الانتخابات يأتي بوجوه جديدة بزعم أن التغيير ضرورة بصرف النظر عن نتائج التغيير ويرجعون بعد فوات الأوان يعضون أصابع الندم لأن التغيير العشوائي العبثي لم يأت إلا بنتائج كارثية علي أصحابه!

متي يمارس المصريون شعار «اللي نعرفه أحسن من اللي ما نعرفوش» ومتي يمارس المصريون شعار «هي موتة ولا أكتر»؟ أليس مهما للأحزاب السياسية والمهتمين بالشأن العام فهم حال ومزاج المصريين وسلوكهم الجماعي، فهؤلاء المصريون أعضاء النقابات المهنية والعمالية والنوادي والروابط والاتحادات هم ذاتهم جمهور الناخبين الذي سيصوت داخل الصناديق الانتخابية في الانتخابات البرلمانية والرئاسية فيرسم بصوته شكل المستقبل! أليس مهما أن نفهم كيف يفكر المصريون الآن لنعرف شكل المستقبل المقبل بأصواتهم وإرادتهم؟

أليس مهما أن نفهم المزاج العام للمصريين ونحن ندعي أننا نتحدث بأسمائهم ولصالحهم ونيابة عنهم!

«10» مازلت أحاول قراءة الواقع!

حاولت أقرأ ما يحدث لأفهم، لكني مازلت لم أفهم جيدا، ومازالا لدي أسئلة كثيرة بلا إجابات، ولأني حديثي قد طال، وبمناسبة الاسئلة التي لم أجد لها إجابات، لابد وقبل إنهاء هذا المقال لابد أن أبدي تعجبي واندهاشي لظاهرة البرادعي! وأقول ظاهرة لأن ما يحدث ظاهرة! رجل بلا تاريخ سياسي عاش مغتربا عاد للوطن للتقاعد وفجأة يطرح اسمه كمرشح محتمل لانتخابات الرئاسة، لا أعرف كيف فكر الدكتور البرادعي وكيف حسبها! هو ليس زعيماً سياسياً وليس له شعبية جماهيرية علي المسرح السياسي وليس له جنود تابعون ولا عاطفيون يروجون له ولا نعرف أفكاره ولم يطرح برنامجاً سياسياً ولا نعرف مرجعيته الفكرية يميني يساري ليبرالي متحفظ، يؤمن بالناصرية معاد لها، يؤمن بالاشتراكية معاد لها منحاز للاقتصاد الحر منحاز للاقتصاد المخطط معاد لإسرائيل مؤمن بالصلح معها، يؤيد كامب دايفيد يرفضها، يؤمن بالدولة المدنية يؤمن بالدولة الدينية الثيوقراطية يؤمن بالعروبة والقومية العربية من بالمصرية يؤمن بالعدالة الاجتماعية والانحياز للطبقات الفقيرة يؤمن بالرأسمالية سواء كانت رشيدة أو غير رشيدة، ورغم كل هذا، رغم الغموض الذي يحيط أفكاره ومواقفه وتصوراته للمستقبل، رغم هذا نجد من يذكره في المقالات والتعليقات والحوارات العامة والخاصة كأنه مبعوث العناية الالهية والمنقذ والمخلص وزعيم الأمة وأمل مصر في المستقبل! ونجده -أي الدكتور البرادعي- يتحدث عن شروط يلزم توافرها منها تعديل الدستور وتغيير بعض مواده حتي يقبل أن يرشح نفسه لانتخابات المقعد الرئاسي، ونجده يشكل جمعية للتغيير ليست بحزب تضم فرقاء سياسيين من مدارس سياسية ومنابع فكرية مختلفة، ثم نجد من يبدأ في جمع توقيعات لتأييده أو تأييد ترشيحه، ثم نقرأ عنه أخباراً كثيرة، أنه يتواصل مع جماهيره عن طريق الإنترنت و«التويتر» وله صفحات تأييد علي الفيس بوك رغم أن المجتمع المصري تتجاوز نسبة الأمية فيه بالنسبة للقراءة والكتابة و«فك الخط» أربعين في المائة من السكان، ولا يتصور أن يتواصل مع هؤلاء بأي طريقة الكترونية مهما كانت بساطتها وسمعت وقرأت أن بعض الشباب مرتدي فانلات تحمل صورته ذهبوا لتعريف الناس به في «سيتي ستارز» بمدينة نصر، رغم أن ذلك «المول» هو مقر المحلات الأجنبية والتوكيلات العالمية ولا يرتاده إلا علية القوم وأبناء الطبقات العليا، وقرأت أيضاً أنه قد أنشأ لجمعيته فروعاً في «الكويت» و«قطر» ثم التقي بوفد الفنانين والأدباء والشعراء لمناقشة خطط المستقبل! قد تكون كل تلك الأخبار مفبركة وغير حقيقية والمقصود بها تذكير القراء بالدكتور البرادعي وطرح اسمه عليهم يوميا باعتباره مرشحا محتملا للمقعد الرئاسي باعتبار أن «الزن علي الودان من السحر» وقد تكون كل تلك الأخبار حقيقية ولو كانت حقيقية فتلك الأخبار في ذاتها تطرح ألف مليون تساؤل، متي اهتم الدكتور البرادعي بالسياسة والشأن الداخلي المصري اهتماماً يتجاوز اهتمام أي مواطن مصري صالح منكفئ علي أحواله وحياته الخاصة؟ وإذا كان يهتم بها منذ زمن بعيد ماذا فعل طيلة هذا الزمن اثباتاً لاهتمامه بالسياسة وأحوالها وإشكالياتها المصرية، وإذا كان لم يكن مهتماً بالسياسة وليس معنياً بعالمها طيلة حياته فلماذا الآن؟ ما الذي حمسه للاهتمام بل الاشتغال بالسياسة الآن؟ وهل يصلح من لم يكن له أي علاقة بالسياسة طيلة حياته وليس معنياً بها ولم يأخذ موقفاً مع أي قضية أو ضدها، هل يصلح أن يتولي حكم مصر فجأة بعد عدة تصريحات ومؤتمرات وأنشطة هنا وهناك؟ هذا سؤال لا أسأله للدكتور البرادعي فقط، لكني أسأله لمؤيديه وداعميه؟ علي أي أساس موضوعي تعتبرون الدكتور البرادعي يصلح رئيساً لمصر؟ لماذا تجمع توقيعات لتأييد الدكتور البرادعي، وهل لهذه التوقيعات أي معني أو دلالة سياسية بخلاف اثبات أن الناس تؤيده! وما هي قيمة هذا الاثبات وما هي الجهة التي يريد أنصار الدكتور البرادعي أن تثبت لها أن الناس تؤيده؟ وإذا كانت الناس تؤيده فلماذا تؤيده وعلي أي شيء تؤيده! وكيف يسانده الدكتور أيمن نور وحمدين صباحي وكلاهما مرشح محتمل للمقعد الرئاسي، وكلاهما سيطرح نفسه علي الشعب لانتخابه في المعركة الرئاسية؟ وهل صحيح أن الدكتور البرادعي هاجم الحقيقة الناصرية واعترض عليها وإن كان كيف يسانده حمدين صباحي وهو ناصري حتي النخاع من أيام نادي الفكر الناصري في الجامعة وحتي حزب الكرامة وهل صحيح أن الدكتور البرادعي من أنصار الدولة المدنية وإن كان كيف يصرح بموافقته علي تأسيس حزب الإخوان المسلمين وهو حزب قائم علي أساس ديني وهل لا يري تعارضاً بين فكرة الأحزاب الدينية والدولة المدنية وإن كان يقبل تأسيس حزب علي أساس ديني فهل هذا يخص الإخوان المسلمين فقط أم أن موقفه هذا يسمح بتأسيس حزب مسيحي وهل الأحزاب الدينية تشمل فقط الإخوان المسلمين أم أنه يقبل بتأسيس أحزاب إسلامية أخري لأي جماعة ترغب في ممارسة العمل السياسي من عباءة الدين أياً ما كانت أفكارها تكفيرية أو جهادية أو غيره، وهل الأحزاب الدينية تتسع لتشمل حزباً شيعياً أو أكثر وهل لو شكلت كل تلك الأحزاب الرئيسية الطائفية مع أسس دينية شيعية وسنية وجهادية وإسلامية ومسيحية وتصارعت علي أصوات الناخبين ببرامج دينية وشعارات دينية ستظل الدولة المدنية التي يؤيدها الدكتور البرادعي علي حالها؟ أم أن هذا يشكل مساساً بأساس فكرة الدولة المدنية العصرية ويهددها؟ وكيف سيري وقتها الدكتور البرادعي شكل الصراع السياسي المرتدي ثوب الدين والطائفية؟ ولماذا أنشأت جمعية التغيير التي شكلها أو يرأسها الدكتور البرادعي فرعين لها في دولة قطر ودولة الكويت؟ هل الجاليات المصرية هناك هي أكبر الجاليات المصرية بالمهجر؟ هل هناك اتفاق سياسي بين تلك الجمعية وتلك الدول علي تقبل ممارسة الجمعية لنشاطها السياسي المصري المتعلق بالشأن الداخلي المصري؟ أو لماذا الكويت وقطر؟ قرأت أيضاً جمعية التغيير تفكر في إنشاء قناة تليفزيونية، فهل مسموح لي وأنا أحد الناخبين وأحمل بطاقة انتخابية ستنحاز وقت الانتخابات لهذا المرشح أو ذاك، هل مسموح لي أسأل من الذي سيمول إنشاء تلك القناة ويدعم نشاطات جمعية التغيير التي سيمتد نشاطها داخل وخارج الحدود المصرية؟ هل هي التبرعات من أهل الخير؟ ألم أقل ظاهرة البرادعي! ففي الوطن أحزاب سياسية معارضة تمارس العمل السياسي منذ سنوات طويلة لم تنجح في جمع التبرعات لتمويل حملاتها الانتخابية لدعم مرشحيها المعارضين للحكومة وتصدر جريدتها الحزبية بصعوبة ومشقة لانعدام التمويل الكافي لإصدار تلك الجريدة واستمرار صدورها، بل هناك جريدة البديل التي أسسها بعض اليساريين أغلقت أبوابها بعد عام من صدورها لتعذر الاستمرار في إصدارها بسبب مشكلات مالية وخسائر مالية ضخمة، مما أدي لوأد تجربة البديل قبل جفاف حبر عددها الأول، ولم تفلح تبرعات أهل الخير والبر والتقوي والعاطفيين والأصدقاء والمؤيدين بالنسبة لجريدة البديل وللأحزاب المعارضة وعموماً في دعم النشاط السياسي الحزبي المعارض للحكومة، فإذا بجمعية التغيير تفكر في إنشاء قناة تليفزيونية بما لهذا من معني كبير! من يؤيد الدكتور البرادعي ومن هم رجاله ومن هم معاونوه ولو افترضنا نظرياً أنه سينجح في الانتخابات الرئاسية وسيصبح رئيساً لمصر من هم الذين سيعتمد عليهم لتنفيذ تصوراته وبرنامجه، ومن سيحملون الحقائب الوزارية في عهده وعلي أي أساس سيتم اختيارهم وما هي مساحات الاتفاق والاختلاف بينهم وبين الدكتور البرادعي؟ هل سيرشح الدكتور البرادعي نفسه حقاً لانتخابات المقعد الرئاسي؟ أم أن هذه الظاهرة ستكون واحدة من الظواهر الغريبة التي نراها في ساحتنا السياسية المصرية ستأخذ وقتها وتنتهي! واللي يعيش ياما يشوف واللي يهتم بالسياسة يشوف أكتر!

الفقرة الأخيرة -أحاول قراءة الواقع المصري المعقد وفهمه!

الجملة الأخيرة -لن أكتب في السياسة وعنها بعد الآن وحتي نهاية الانتخابات الرئاسية 2011، فمنذ الآن وحتي نهاية تلك الانتخابات سيزداد الصخب والضجيج لحد لا يمكن تصوره، ووسط الصخب لا يجدي إلا الصمت للمراقبة والمشاهدة والتعلم! وبعد تلك الانتخابات ستتضح الصورة ويظهر الكثير من الحقائق، وقتها يمكن العودة للكتابة في السياسة وعنها! أما الآن فالمراقبة والصمت هما المتاح الوحيد الممكن!

وكل انتخابات رئاسية والشعب المصري بخير!
----------------------------------------
هذه المقاله الاطول في تاريخ حياتي
7800 كلمه
كتبتها لمده ثلاث اسابيع
نشرت في الجريده علي ثلاث حلقات 21 ، 22 ، 23 ابريل
نشرتها علي المدونه في اجزاء ثلاث
ثم قررت انشرها علي بعضها حتي تتكامل اجزاءها وتتضح الصوره والرؤيه !!!
انتظر ارائكم
انتظر اختلافكم
انتظر الجدل والاختلاف الذي لايفسد للود قضيه !!!!


ماذا يحدث في المجتمع المصري الان ؟؟؟؟ الجزء الثالث

«9» مازلت أحاول قراءة الواقع!

هل تتأمل المعارضة السياسية المصرية أحوال الانتخابات غير السياسية في مصر كانتخابات النوادي والروابط والنقابات والاتحاد واللجان النقابية! ما الذي يحدث في تلك الانتخابات!

أليس مهماً فهم المزاج المصري وحال المصريين من ما يحدث في تلك الانتخابات! بعض تلك الانتخابات يبقي علي الوجوه القديمة التي كانت ومازالت وستظل، مهما طال بها الزمن فوق المقاعد! وبعض تلك الانتخابات يأتي بوجوه جديدة بزعم أن التغيير ضرورة بصرف النظر عن نتائج التغيير ويرجعون بعد فوات الأوان يعضون أصابع الندم لأن التغيير العشوائي العبثي لم يأت إلا بنتائج كارثية علي أصحابه!

متي يمارس المصريون شعار «اللي نعرفه أحسن من اللي ما نعرفوش» ومتي يمارس المصريون شعار «هي موتة ولا أكتر»؟ أليس مهما للأحزاب السياسية والمهتمين بالشأن العام فهم حال ومزاج المصريين وسلوكهم الجماعي، فهؤلاء المصريون أعضاء النقابات المهنية والعمالية والنوادي والروابط والاتحادات هم ذاتهم جمهور الناخبين الذي سيصوت داخل الصناديق الانتخابية في الانتخابات البرلمانية والرئاسية فيرسم بصوته شكل المستقبل! أليس مهما أن نفهم كيف يفكر المصريون الآن لنعرف شكل المستقبل المقبل بأصواتهم وإرادتهم؟

أليس مهما أن نفهم المزاج العام للمصريين ونحن ندعي أننا نتحدث بأسمائهم ولصالحهم ونيابة عنهم!

«10» مازلت أحاول قراءة الواقع!

حاولت أقرأ ما يحدث لأفهم، لكني مازلت لم أفهم جيدا، ومازالا لدي أسئلة كثيرة بلا إجابات، ولأني حديثي قد طال، وبمناسبة الاسئلة التي لم أجد لها إجابات، لابد وقبل إنهاء هذا المقال لابد أن أبدي تعجبي واندهاشي لظاهرة البرادعي! وأقول ظاهرة لأن ما يحدث ظاهرة! رجل بلا تاريخ سياسي عاش مغتربا عاد للوطن للتقاعد وفجأة يطرح اسمه كمرشح محتمل لانتخابات الرئاسة، لا أعرف كيف فكر الدكتور البرادعي وكيف حسبها! هو ليس زعيماً سياسياً وليس له شعبية جماهيرية علي المسرح السياسي وليس له جنود تابعون ولا عاطفيون يروجون له ولا نعرف أفكاره ولم يطرح برنامجاً سياسياً ولا نعرف مرجعيته الفكرية يميني يساري ليبرالي متحفظ، يؤمن بالناصرية معاد لها، يؤمن بالاشتراكية معاد لها منحاز للاقتصاد الحر منحاز للاقتصاد المخطط معاد لإسرائيل مؤمن بالصلح معها، يؤيد كامب دايفيد يرفضها، يؤمن بالدولة المدنية يؤمن بالدولة الدينية الثيوقراطية يؤمن بالعروبة والقومية العربية من بالمصرية يؤمن بالعدالة الاجتماعية والانحياز للطبقات الفقيرة يؤمن بالرأسمالية سواء كانت رشيدة أو غير رشيدة، ورغم كل هذا، رغم الغموض الذي يحيط أفكاره ومواقفه وتصوراته للمستقبل، رغم هذا نجد من يذكره في المقالات والتعليقات والحوارات العامة والخاصة كأنه مبعوث العناية الالهية والمنقذ والمخلص وزعيم الأمة وأمل مصر في المستقبل! ونجده -أي الدكتور البرادعي- يتحدث عن شروط يلزم توافرها منها تعديل الدستور وتغيير بعض مواده حتي يقبل أن يرشح نفسه لانتخابات المقعد الرئاسي، ونجده يشكل جمعية للتغيير ليست بحزب تضم فرقاء سياسيين من مدارس سياسية ومنابع فكرية مختلفة، ثم نجد من يبدأ في جمع توقيعات لتأييده أو تأييد ترشيحه، ثم نقرأ عنه أخباراً كثيرة، أنه يتواصل مع جماهيره عن طريق الإنترنت و«التويتر» وله صفحات تأييد علي الفيس بوك رغم أن المجتمع المصري تتجاوز نسبة الأمية فيه بالنسبة للقراءة والكتابة و«فك الخط» أربعين في المائة من السكان، ولا يتصور أن يتواصل مع هؤلاء بأي طريقة الكترونية مهما كانت بساطتها وسمعت وقرأت أن بعض الشباب مرتدي فانلات تحمل صورته ذهبوا لتعريف الناس به في «سيتي ستارز» بمدينة نصر، رغم أن ذلك «المول» هو مقر المحلات الأجنبية والتوكيلات العالمية ولا يرتاده إلا علية القوم وأبناء الطبقات العليا، وقرأت أيضاً أنه قد أنشأ لجمعيته فروعاً في «الكويت» و«قطر» ثم التقي بوفد الفنانين والأدباء والشعراء لمناقشة خطط المستقبل! قد تكون كل تلك الأخبار مفبركة وغير حقيقية والمقصود بها تذكير القراء بالدكتور البرادعي وطرح اسمه عليهم يوميا باعتباره مرشحا محتملا للمقعد الرئاسي باعتبار أن «الزن علي الودان من السحر» وقد تكون كل تلك الأخبار حقيقية ولو كانت حقيقية فتلك الأخبار في ذاتها تطرح ألف مليون تساؤل، متي اهتم الدكتور البرادعي بالسياسة والشأن الداخلي المصري اهتماماً يتجاوز اهتمام أي مواطن مصري صالح منكفئ علي أحواله وحياته الخاصة؟ وإذا كان يهتم بها منذ زمن بعيد ماذا فعل طيلة هذا الزمن اثباتاً لاهتمامه بالسياسة وأحوالها وإشكالياتها المصرية، وإذا كان لم يكن مهتماً بالسياسة وليس معنياً بعالمها طيلة حياته فلماذا الآن؟ ما الذي حمسه للاهتمام بل الاشتغال بالسياسة الآن؟ وهل يصلح من لم يكن له أي علاقة بالسياسة طيلة حياته وليس معنياً بها ولم يأخذ موقفاً مع أي قضية أو ضدها، هل يصلح أن يتولي حكم مصر فجأة بعد عدة تصريحات ومؤتمرات وأنشطة هنا وهناك؟ هذا سؤال لا أسأله للدكتور البرادعي فقط، لكني أسأله لمؤيديه وداعميه؟ علي أي أساس موضوعي تعتبرون الدكتور البرادعي يصلح رئيساً لمصر؟ لماذا تجمع توقيعات لتأييد الدكتور البرادعي، وهل لهذه التوقيعات أي معني أو دلالة سياسية بخلاف اثبات أن الناس تؤيده! وما هي قيمة هذا الاثبات وما هي الجهة التي يريد أنصار الدكتور البرادعي أن تثبت لها أن الناس تؤيده؟ وإذا كانت الناس تؤيده فلماذا تؤيده وعلي أي شيء تؤيده! وكيف يسانده الدكتور أيمن نور وحمدين صباحي وكلاهما مرشح محتمل للمقعد الرئاسي، وكلاهما سيطرح نفسه علي الشعب لانتخابه في المعركة الرئاسية؟ وهل صحيح أن الدكتور البرادعي هاجم الحقيقة الناصرية واعترض عليها وإن كان كيف يسانده حمدين صباحي وهو ناصري حتي النخاع من أيام نادي الفكر الناصري في الجامعة وحتي حزب الكرامة وهل صحيح أن الدكتور البرادعي من أنصار الدولة المدنية وإن كان كيف يصرح بموافقته علي تأسيس حزب الإخوان المسلمين وهو حزب قائم علي أساس ديني وهل لا يري تعارضاً بين فكرة الأحزاب الدينية والدولة المدنية وإن كان يقبل تأسيس حزب علي أساس ديني فهل هذا يخص الإخوان المسلمين فقط أم أن موقفه هذا يسمح بتأسيس حزب مسيحي وهل الأحزاب الدينية تشمل فقط الإخوان المسلمين أم أنه يقبل بتأسيس أحزاب إسلامية أخري لأي جماعة ترغب في ممارسة العمل السياسي من عباءة الدين أياً ما كانت أفكارها تكفيرية أو جهادية أو غيره، وهل الأحزاب الدينية تتسع لتشمل حزباً شيعياً أو أكثر وهل لو شكلت كل تلك الأحزاب الرئيسية الطائفية مع أسس دينية شيعية وسنية وجهادية وإسلامية ومسيحية وتصارعت علي أصوات الناخبين ببرامج دينية وشعارات دينية ستظل الدولة المدنية التي يؤيدها الدكتور البرادعي علي حالها؟ أم أن هذا يشكل مساساً بأساس فكرة الدولة المدنية العصرية ويهددها؟ وكيف سيري وقتها الدكتور البرادعي شكل الصراع السياسي المرتدي ثوب الدين والطائفية؟ ولماذا أنشأت جمعية التغيير التي شكلها أو يرأسها الدكتور البرادعي فرعين لها في دولة قطر ودولة الكويت؟ هل الجاليات المصرية هناك هي أكبر الجاليات المصرية بالمهجر؟ هل هناك اتفاق سياسي بين تلك الجمعية وتلك الدول علي تقبل ممارسة الجمعية لنشاطها السياسي المصري المتعلق بالشأن الداخلي المصري؟ أو لماذا الكويت وقطر؟ قرأت أيضاً جمعية التغيير تفكر في إنشاء قناة تليفزيونية، فهل مسموح لي وأنا أحد الناخبين وأحمل بطاقة انتخابية ستنحاز وقت الانتخابات لهذا المرشح أو ذاك، هل مسموح لي أسأل من الذي سيمول إنشاء تلك القناة ويدعم نشاطات جمعية التغيير التي سيمتد نشاطها داخل وخارج الحدود المصرية؟ هل هي التبرعات من أهل الخير؟ ألم أقل ظاهرة البرادعي! ففي الوطن أحزاب سياسية معارضة تمارس العمل السياسي منذ سنوات طويلة لم تنجح في جمع التبرعات لتمويل حملاتها الانتخابية لدعم مرشحيها المعارضين للحكومة وتصدر جريدتها الحزبية بصعوبة ومشقة لانعدام التمويل الكافي لإصدار تلك الجريدة واستمرار صدورها، بل هناك جريدة البديل التي أسسها بعض اليساريين أغلقت أبوابها بعد عام من صدورها لتعذر الاستمرار في إصدارها بسبب مشكلات مالية وخسائر مالية ضخمة، مما أدي لوأد تجربة البديل قبل جفاف حبر عددها الأول، ولم تفلح تبرعات أهل الخير والبر والتقوي والعاطفيين والأصدقاء والمؤيدين بالنسبة لجريدة البديل وللأحزاب المعارضة وعموماً في دعم النشاط السياسي الحزبي المعارض للحكومة، فإذا بجمعية التغيير تفكر في إنشاء قناة تليفزيونية بما لهذا من معني كبير! من يؤيد الدكتور البرادعي ومن هم رجاله ومن هم معاونوه ولو افترضنا نظرياً أنه سينجح في الانتخابات الرئاسية وسيصبح رئيساً لمصر من هم الذين سيعتمد عليهم لتنفيذ تصوراته وبرنامجه، ومن سيحملون الحقائب الوزارية في عهده وعلي أي أساس سيتم اختيارهم وما هي مساحات الاتفاق والاختلاف بينهم وبين الدكتور البرادعي؟ هل سيرشح الدكتور البرادعي نفسه حقاً لانتخابات المقعد الرئاسي؟ أم أن هذه الظاهرة ستكون واحدة من الظواهر الغريبة التي نراها في ساحتنا السياسية المصرية ستأخذ وقتها وتنتهي! واللي يعيش ياما يشوف واللي يهتم بالسياسة يشوف أكتر!

الفقرة الأخيرة -أحاول قراءة الواقع المصري المعقد وفهمه!

الجملة الأخيرة -لن أكتب في السياسة وعنها بعد الآن وحتي نهاية الانتخابات الرئاسية 2011، فمنذ الآن وحتي نهاية تلك الانتخابات سيزداد الصخب والضجيج لحد لا يمكن تصوره، ووسط الصخب لا يجدي إلا الصمت للمراقبة والمشاهدة والتعلم! وبعد تلك الانتخابات ستتضح الصورة ويظهر الكثير من الحقائق، وقتها يمكن العودة للكتابة في السياسة وعنها! أما الآن فالمراقبة والصمت هما المتاح الوحيد الممكن!

وكل انتخابات رئاسية والشعب المصري بخير!

نشرت الجمعه 23 ابريل 2010

http://www.rosaonline.net/Daily/News.asp?id=58651

الخميس، 22 أبريل 2010

ما الذى يحدث فى المجتمع المصرى هذه الأيام 2

أين برامج فرقاء المعارضة.. اكشفوها للناس؟!

استكمالاً لحديثنا في الجزء الأول من مقالي ما الذي يحدث في المجتمع المصري هذه الأيام؟.

اؤكد ان التغيير! كلمة براقة جميلة عظيمة! لكن التغيير لإيه؟ أليس هذا حقي وحق كل مواطن يعرف التغيير لإيه؟ سيما أن الدعاة للتغيير الآن في مجتمعنا ليس إلا مجموعة فرقاء متناقضين في الأهداف السياسية والقناعات والأفكار، فرقاء متناقضين في الأحلام وشكل المجتمع الذي يسعون إليه، فرقاء متناقضين في البرامج السياسية والشعارات، يجمعهم جميعا -الآن وبشكل مؤقت- علي تناقضهم العنيف المبدئي الرغبة العارمة في التغيير، ويحدثوننا الآن بصوت واحد كأنهم توحدوا فعلا، يحدثوننا ويحمسوننا لتأييد جمعهم من أجل التغيير، لكن لم يقولوا لنا وماذا بعد أن نصبح «كلنا إيد وحدة يا بهجت» ويصل الأتوبيس الذي يقلنا جميعا لمحطة التغيير التي يزعم الكثيرون أنها باتت قريبة وأوشكنا علي الوصول إليها.

5- ما زلت أحاول قراءة الواقع!


ماذا بعد، كيف سيكون شكل الطريق «لنهاية الخط»، لن يدوم اجتماع الفرقاء ولن يظلوا علي حالة التسامي العظيم والترفع فوق اختلافاتهم المبدئية العقائدية، بعد محطة التغيير التي سندفع جميعا -المطالبين بالتغيير- حافلتهم للوصول إليها، بعد تلك المحطة سيختلفون لأن ما بينهم أساساً الاختلاف وليس الاتفاق، وسيتشرذم أصدقاء وحلفاء اليوم وتظهر المواقف الحقيقية والشعارات الحقيقية والبرامج الحقيقية والوجوه الحقيقية، إذا كان الحال كذلك، لماذا لا نلعب -الآن- علي المكشوف؟ لماذا لا يطرح كل فصيل أو تيار سياسي برنامجه وهدفه ورؤيته للمستقبل ويتركوننا بمنتهي الحرية -النظرية علي الأقل- نختار ونؤيد وندعم ما نراه متفقا وأفكارنا وأحلامنا ونرفض ما نختلف معه، لماذا يضعون كل البيض في سلة واحدة فتتوه الفوارق وتتداخل الألوان ونصاب جميعا بـ«عمي الألوان» فلا نري شيئًا ولا نفهم شيئًا ونساق كالقطيع في طريق لا نعرفه، لا نعرف أوله ولا آخره ولا هدفه ولا محطته الأخيرة!

التغيير للأفضل وفقا للبرامج السياسية والاقتصادية والاجتماعية وفقا للانحيازات الطبقية، وفقا لمبادئ العدالة والديمقراطية والحرية، التغيير للأفضل عبر صناديق الانتخاب والعملية الديمقراطية علي عيوبها ومساوئها «التزوير، الانفاق الملاييني، شراء وبيع أصوات الناخبين، العصبية والقبلية والطائفية الدينية، انعدام الرقابة القضائية أو صوريتها، تحالف المال مع القوة بحثا عن سطوة سياسية ونفوذ، عدم تكافؤ الفرص وقت العملية الانتخابية، تقييد الحق في الدعاية الجماهيرية والسرادقات والظهور في أجهزة الإعلام «هذا حديث يختلف تماما عن شحذ الغضب وإشاعة روح اليأس بين الناس واستثارة الفوضي.

6ـ ما زلت أحاول قراءة الواقع!


عفوا، فأنا أقف مندهشة، أمام ما يحدث في المجتمع المصري وبالأخص في أجوائه السياسية مندهشة لا أفهم!

في الوطن أحزاب وتيارات سياسية كثيرة، تعبر عن كل ألوان الطيف السياسي المعروف، بخلاف الحزب الحاكم وحكومته، هناك أحزاب يمينية، بعضها ليبرالي وبعضها رجعي متحفظ تؤمن بالاقتصاد الحر وآليات السوق.

أحزاب يسارية منحازة للأغلبية الكادحة والطبقات الفقيرة، علنية وسرية، بعضها اشتراكي وبعضها ناصري، أحزاب ديمقراطية ودستورية تنادي بالتغييرات الدستورية وتؤمن بها وتنادي بتداول السلطة وإلغاء القوانين المقيدة للحريات، تيارات دينية إسلامية ومسيحية تعبر عن كافة المدارس الدينية المتشددة والرجعية والمتحفظة والمتقدمة.

حركات حقوقية تدافع عن حقوق الإنسان وتقاوم التمييز ضد النساء وتتبني حقوق الأقليات الدينية وضد التمييز الديني ومع المواطنة بعضها يدافع عن المستهلكين وبعضها يتبني مطالب المستأجرين والحق في السكن وبعضها يدافع عن استقلال القضاة والمحاماة، وبعضها يقدم خدمات قانونية للفقراء والنساء والمهمشين وبعضها يهتم بالقضايا النقابية والعمالية. حركات احتجاجية سياسية «كفاية»، «من أجل التغيير»، و«شايفنكم»، «ما يحكمش»، حركات غضب مطلبي، عمال شركة المحلة، خبراء وزارة العدل، أهل جزيرة، ضحايا السيول، أهالي الغارقين في العبارة، موظفو الضرائب العقارية، الممرضات، الدعاة، المحامون وقت قانون الرسوم القضائية، الصيادلة، وقت المحاسبة الضرائبية، مهندسون تحت الحراسة، الصحفيون بالجرائد التي أغلقت يطالبون برواتبهم من فوق سلم نقابتهم وكثيرون غيرهم.

هذا بخلاف عشرات الصحف والجرائد غير الحكومية بعضها يصدر عن الأحزاب ويدافع عن برامجها السياسية وبعضها يصدر عن مؤسسات وأشخاص وشركات، بعضها يساري وبعضها ليبرالي وبعضها يدافع عن التيارات الدينية وبعضها يهاجم بالأساس الدولة والحكومة وكل من يتبع لهم، بعضها يغير موقفه وتحالفاته لأسباب مختلفة بعضها سياسي وبعضها اقتصادي مالي وبعضها مرتبط بتغيير الإدارة ورئيس مجلس إدارتها!

أيضًا بخلاف الظاهرة المصرية المسماة بالشخصيات العامة، هؤلاء المعارضون للحكومة الرافضون لسياساتها.

في نفس الوقت يرفض هؤلاء الشخصيات العامة الانضواء تحت رايات العمل الحزبي ويتعالون علي جهد وانضباط وقيود الحياة الحزبية بكافة أشكالها، بل يعتبر كل منهم نفسه حزباً قائماً بذاته.

هؤلاء الذين يشكل كل منهم مع نفسه بنفسه حالة سياسية، لا يشارك في العمل الحزبي لكنه موجود علي الساحة السياسية بأفكاره أو توقيعاته علي بعض العرائض والمطالب أو بمقالاته في هذه الصحيفة أو تلك، شخصيات عامة كل منهم حالة سياسية خاصة - بصرف النظر عن قناعاته الفكرية - تفسح لهم أسماؤهم البراقة - بصرف النظر عن مصدر بريقها ومبرره وظيفة، موهبة، إبداع، عمل، موقف ما، مقعد نيابي مقعد نقابي سابق - لهم مكانا مستقلا إلي جوار الأحزاب والتيارات السياسية علي مسرح الحياة السياسية المصرية.

هم في أغلبهم جنرالات بلا جنود، ليسوا قادة حزبيين لهم جمهورهم وأعضاؤهم، ليسوا أعضاء نيابيين أو قادة نقابيين لهم أصواتهم الانتخابية التي حملتهم لمقاعدهم في النقابات ومنظمات المجتمع المدني، لكنهم أسماء معروفة، تحدث في ذاتها صخبا وضجيجا، ولها بعض المعجبين والمؤيدين لأفكارها أو مواقفها، لكن الأمر لا يتخطي إطار الإعجاب والانبهار أحيانًا لأي شيء حقيقي منتج وفاعل!

المشهد السياسي المصري فيه صحف وجرائد مملوكة لأشخاص ربما رجال أعمال سياسيين يدعون عدم الاهتمام بالسياسة ربما صحفيين يبحثون عن الثروات المليونية من حصيلة الإعلانات عبر العناوين النارية المعارضة للحكومة التي تجذب الغاضبين أو بعضهم للقراءة وشراء الجريدة وزيادة أرقام التوزيع.

تلك الصحف تصدر من عددها اليومي أو الأسبوعي في أفضل الأحوال بضع عشرات أو مئات من الألوف.

تلك الصحف تتصور هي وملاكها وأطقم تحريرها وصحفيوها أنهم يقودون الشعب المصري بمانشيتاتهم، تتصور أنها تصنع وجدانهم وعقولهم وتسيرهم في الاتجاه الذي ترغب فيه، مع أن مائة أو مائتي أو ثلاث مئات من الألوف من أي جريدة وسط شعب ثمانين مليوناً وأكثر تصل نسبة الأمية فيه لقرابة الـ40% هي كمثل قطرة عذبة في محيط مالح لا تملك تأثيرًا ولا تحدث تغييراً! حتي هؤلاء مصدري الصحف وملاكها وهم يتصورون أنهم يقودون الشعب المصري لم يفصحوا لنا عن الهدف الذي يقودون الشعب المصري في اتجاهه ولمصلحة من؟ الحكومة؟ المعارضة؟ الديمقراطية؟ الدولة المدنية؟ الدولة الدينية؟ الفوضي؟ في نفس الوقت تنشر تلك الجرائد والصحف كل ما يراكم الغضب لدي المواطنين.

كل ما يستثير قرفهم واكتئابهم ويحبطهم! ويصرخون ليل نهار.. التغيير التغيير! المشهد السياسي المصري، صاخب، متشابك، مليء بالضجة، انتقادات وأخبار وفضائح ونبرة عالية محتدة وصراخ أحيانًا، مظاهرات، وقفات احتجاجية هنا وهناك، بعضها مطلبي وبعضها سياسي وبعضها ديني، اتهامات متبادلة مستمرة ودائمة، غضب مستتر وأحيانًا متفجر، إشكاليات طبقية، طائفية، مقالات نارية بعضها تحريضي، بعضها مليء بالسخط والسخرية، بعضها مليء بالانتقاد والغضب، برامج تليفزيونية يومية تعرض كل شيء وتنتقد كل شيء وتهاجم كل شيء! المشهد السياسي المصري، يراه البعض ديمقراطيا يسمح بالكتابة والقول والاحتجاج والتظاهر «أحيانًا» ويراه البعض مليئا بالقيود وبعيداً عن المعني الحقيقي للديمقراطية ويحول بين تداول السلطة وحرية التعبير وتكوين الأحزاب بلا قيود!

لكن كل هذا الصخب السياسي في الأوقات المهمة لا ولم يثمر شيئًا، لم نر زعامات سياسية جماهيرية حقيقية تصلح لقيادة الأمة والوطن، ربما قدمت الأحزاب والتيارات السياسية عبر تاريخها الحديث بعض الوجوه البراقة التي تصلح لمقعد برلماني أو منصب نقابي، لكنها لم تقدم زعيما للأمة زعيما للوطن، لم تقدم شخصيات مجمعة تصلح لقيادة الوطن - رغم الاختلاف حولها أو عليها - نحن لم نسمع عن أسماء رنانة لها تاريخ وثقل حقيقي وتراث نضالي يعرف عنها القاصي والداني في كافة أرجاء الوطن من أقصي شماله الغربي لأقصي جنوبه الشرقي يتوافق الجميع عليها ويقبلون جميعًا الانصياع تحت رايتها والدفاع عنها وعن شعاراتها ويقدمون حياتهم زودا عن حقها في الوجود، بل أكاد أقول.

الشعب يتابع كل ما يحدث حوله من صخب وضجيج من باب التسلية وكسر الملل، فكل الجهد الذي يبذل في الحياة السياسية المصرية لم يسفر عن تحميس وتحريض ودفع الناس للانتظام في الحياة الحزبية والمشاركة في أعمالها ودفع عجلة الديمقراطية للأمام، لا.. كل ما يحدث ينتقد ويهاجم ويغضب وفقط وقد يثمر أعمالاً احتجاجية عنيفة أو غضباً عشوائياً أو فوضي جارفة، كل هذا الصخب والضجيج لا يثمر حياة أفضل بل يؤدي لكارثة لا يعلم إلا الله حجمها في بلد ضخم له تاريخ وحضارة ودور إقليمي عربي وأفريقي وإسلامي وشعبه يزيد علي الثمانين مليوناً من المسلمين والأقباط!

كل هذا الصخب السياسي والانتقادات وشحذ الغضب لم يدفع المواطنين لاستخراج بطاقات انتخابية، لم يدفع المواطنين للانخراط في الحياة الحزبية، لم يدفع المواطنين للخروج من حالة السلبية والعزوف التي يعيشون فيها منذ عقود بعيدة!

(7) مازلت أحاول قراءة الواقع!


هل يتصور أن تكون المعارضة السياسية تري المجتمع المصري بطريقتها! والحقيقة والواقع غير ماتراه! هل يتصور أن تكون هناك أقلية غاضبة - مع اختلاف أسباب الغضب - بينما الأكثرية راضية قانعة وربما بعضها سعيد بما يحدث! والأقلية عاجزة عن تغيير الأحوال لأن الأكثرية لا تسايرها وراضية عما يحدث، لكن الأقلية صوتها عال وغاضبة ولا تكف عن استثارة الغضب وذلك الغضب يلاقي قبولا لدي بعض الأكثرية الراضية لأسباب مختلفة، لكنه قبول لا يكفي لاتباع الأقلية ولا التسليم بقيادتها ولا اتباع أفكارها ولا تقبل برامجها، الأقلية تسلط الأضواء علي السلبيات والعيوب والنواقص في المجتمع، والأكثرية لا تعجبها تلك السلبيات وتلك العيوب في هذا المجال أو ذاك، لكن الأكثرية لا يعجبها تلك العيوب في إطار رضائها عن الحكومة الموجودة ومطالبتها بتحسين حياة الأكثرية وليس في إطار رفض الحكومة الموجودة والمطالبة بتغييرها!

هل يتصور هذا! لا أعلم! لكننا نحتاج قراءة عميقة دقيقة لأحوال المجتمع المصري وتشخيصاً دقيقاً لأوجاعه وأحواله، حتي نفهم وفي ضوء الفهم نتصرف!

هل هذا ما نعيشه؟ هل تعتبر المعارضة أن كل غاضب من أزمة رغيف العيش أو من أزمة أنابيب البوتاجاز أو معتصم علي سلم وزارة العدل أو رافض لنظام التعليم وجموده أو مطالب باشتغال النساء بالقضاء، هل تعتبر المعارضة كل واحد من هؤلاء من ضمن جمهورها وأصواتها وتابعيها ومؤيديها لأنه يرفض هذه الجزئية أو تلك؟

هل يتصور أن أتظاهر غضبا من أزمة رغيف العيش لكني أطالب الحكومة بتحسينه ولا أطالب برحيل الحكومة ذاتها، هل يتصور أغضب من غرق العبارة وأتظاهر للمطالبة بمحاكمة المسئولين عن غرقها وأهاجم الحكومة لأنها لم تتخذ إجراءات رادعة لمنع غرق مثل تلك العبارة، لكني لا أطالب برحيل الحكومة ذاتها هل يتصور هذا؟ في نفس الوقت هل يتصور أن تفسر المعارضة تلك الحركات الاحتجاجية بحجم أكثر من حجمها وتعتبر تلك الحركات الاحتجاجية رصيدا لها في مواجهة الحكومة تعايرها به! كل غاضب من ازدحام المرور معارض للحكومة يتمني رحيلها، كل غاضب من سوء حال رغيف الخبز معارض للحكومة يتمني رحيلها كل من سقط ابنه في الثانوية العامة لصعوبة المناهج وعدم استعمال الرأفة معارض للحكومة يتمني رحيلها كل من بني علي أرض زراعية بغير ترخيص وصدر له قرار إزالة معارض للحكومة يتمني رحيلها، كل من سجن ابنه في الكويت أو السعودية لأنه ارتكب جريمة ولم تعفه الحكومة من العقاب معارض للحكومة ويتمني رحيلها، كل من غرق ابنه في البحر بعد أن باع أرض الأب ومصاغ الأم بحثا عن يوروهات أوروبا معارض للحكومة ويتمني رحيلها؟ هل هذا ما نعيشه! مثلاً.. يتصادم قطاران فيغضب الناس من ذلك الإهمال ويطالبون بتحسين أحوال السكك الحديدية وربما يطالبون بإقالة الوزير ومحاكمة المسئولين عن ذلك الإهمال، لكن هذا لا يتساوي عند هؤلاء الغاضبين بمطلب المعارضة للتغيير الشامل الجذري ورحيل الحكومة وحزبها الحاكم! تنقطع المياه عن حي أو قرية فيغضب الناس من ذلك الإهمال ويطالبون بعودة المياه المقطوعة، وقد يتظاهرون ضد قطع المياه وقد يرشقون جنود الأمن المركزي بالحجارة وقت تحاصرهم وتمنعهم من التعبير عن رأيهم، وقد ترتفع عقيرتهم بالصراخ مطالبين الحكومة بتوفير الحد الأدني الآدمي لحياتهم اليومية، لهذا هذا لا يعني قبول شعارات المعارضة في التغيير الجذري الشامل ورحيل الحكومة وحزبها الحاكم! لكن المعارضة السياسية تعتبر كل هذا الغضب رصيداً لها في مواجهة الحكومة!

أظن - والله أعلم من موقع المراقب البعيد أن المعارضة السياسية تعتبر أي غضب شعبي أيا كان مصدره ومبعثه ومبرره رصيداً لها ودلاله تأييدها! بتجاهل إن هؤلاء الغاضبين لا يمنحون المعارضة أصواتهم الانتخابية بتجاهل أن هؤلاء الغاضبين لم ينضموا للمعارضة ولم ينخرطوا في صفوفها، بتجاهل أن هؤلاء الغاضبين إما عازفون عن المشاركة وتحويل غضبهم لأعمال إيجابية أو ينتخبون مرشحي الحزب الوطني ويسعون خلفهم للحصول علي توقيعاتهم ودعمهم وموافقاتهم في الخدمات البسيطة والحج والعمرة وقطن التنجيد وشقة من شقق المحافظة!

نعم أظن أن المعارضة تعتبر هؤلاء الغاضبين أياً ما كانت قضيتهم جمهورها وتهلل لهم وبرامج تليفزيونية ولقاءات وصور بالصفحات الأولي للجرائد ومنحهم أوسمة البطولة والوطنية، وتستنطق تصرفاتهم بما لا يعنونه ولا يقصدونه! أظن أيضا أن الحكومة تعتبر هؤلاء الغاضبين أعداءها وتنكل بهم دون أن تبذل جهدها في فهم مشاكلهم وأمنياتهم ومبرر غضبهم! لكن أظن أيضا أن لهؤلاء الغاضبين حساباتهم الخاصة لا هم جمهور المعارضة ولن ينتخبوها ولن يسلموها قيادهم وهم ليسوا أعداء الحكومة ولا يطالبون برحيلها، لكنهم يعترضون علي أدائها في كثير من المجالات التي تصعب حياتهم وتجعلها أكثر مشقة فيطالبونها بتحسين أدائها وتحسين حياتهم! قد يكون هذا ما نعيشه دون أن ندري، حكومة ومعارضة وشعباً! قد يفسر هذا ما يحدث! غضب الشعب من الحكومة في نفس الوقت عزوف الشعب عن المعارضة! هل هذا ما نعيشه فعلاً؟

«8» مازلت أحاول قراءة الواقع!


أحترم بشدة أحزاب المعارضة المصرية! حزب التجمع حزب الوفد الحزب العربي الناصري حزب الكرامة.. أحترمهم قيادات وأعضاء وتاريخ نضالياً ومواقف ثابتة وتضحيات ودأباً وجذوراً في الشارع المصري والتاريخ!

بعضهم يناضلون علي الساحة السياسية المصرية منذ ثلاثين عاماً ويزيد! ثابتون علي مواقفهم وبرامجهم السياسية! ربما مازال صوتهم منخفضاً، ربما مازالت فاعليتهم قليلة، ربما مازال تأثيرهم علي الشارع المصري محدوداً.

أحترمهم وإن اختلفت معهم ربما في البرامج السياسية أو التوجهات، ربما في أساليب العمل، احترمهم ولو لم أنضم لأي منهم، فالانخراط في العمل الحزبي يحتاج وقتاً وتضحيات وعطاء ربما لست بقادرة عليه لكنني أحترمهم! ولو ترشح من حزب التجمع وحزب الوفد أو حزب الكرامة أو العربي الناصري أي مرشح للمقعد الرئاسي سأنتخبه ولو ترشح في دائرتي الانتخابية في أي انتخابات برلمانية أو محلية أي مرشح لأي من تلك الأحزاب سأنتخبه!

وربما في لحظة ما تغمرني الحماسة فأتجاوز مرحلة الاحترام السلبي لمرحلة المشاركة الفاعلة فأحضر مؤتمراتهم وأروج لمرشحيهم وأدعو الناس لانتخابهم وفقا لقواعد الديمقراطية! أحترمهم لأنهم أحزاب حقيقية موجودة بالساحة السياسية المصرية! لم يهبطوا عليها بالبراشوت من السماوات البعيدة! لأنهم لم يدعوا اهتماماً زائفاً بالواقع المصري، بينما هم بعيدون عنه كل البعد!

أحترمهم لأنهم يعرفون قيمة الوطن الذي نعيش فيه وسيحافظون عليه بعيونهم ولن يعرضوه ومواطنيه لفوضي ولن يطرحوا العبث والعشوائية منهجا للعمل لن يطرحوا التغيير شعارا فضفاضا وهميا، بل هي أحزاب لديها برامج وخطط عمل، وعندما تدعو للتغيير هي واضحة المرجعية ولا تخدع الجماهير بشعارات فضفاضة براقه مزيفة، ولا تستغل غضبهم ولا تستثيره ولا تدفع الوطن للفوضي إنما تمارس العمل السياسي بمنتهي المسئولية عن الوطن والأمة والشعب والمستقبل!


أحترمهم وأحببت أن أسجل هذا وأذكره للتاريخ و«الجغرافيا» أيضًا!


الجزء الثالث والأخير غدا

نشرت الخميس 22 ابريل 2010

http://www.rosaonline.net/Daily/News.asp?id=58404

الأربعاء، 21 أبريل 2010

ما الذي يحدث في المجتمع المصري هذه الأيام؟ ( 2-1)


هذه مقالتي الأخيرة في الشأن السياسي المصري، بعدها سأكتب في الفن والحب والثقافة والتاريخ والجغرافيا والذكريات وعن المواطنين وأحوالهم والمجتمع وحياته وعن أي شيء إلا السياسة! وربما لا أكتب أساسا!
ما الذي سيحدث في الدنيا، لو قررت ألا أكتب في السياسة وعنها، أو لو قررت ألا أكتب أساسا! لن يحدث شيء! فليس كل الكائنات الإنسانية كائنات سياسية تهتم بالشأن العام وتتفاعل معه وتفكر فيه، بالعكس، قليل جدا من البشر كائنات سياسية ابتلاهم ربهم بنقمة التفكير في الشأن العام، وبقيته وأغلبهم لا يكترثون بكل الصخب والضجيج الذي يدور أساسا حولهم بزعم الاهتمام بهم وبشئونهم! نعم جميعنا نتأثر وسنتأثر بما يحدث حولنا، لكن الطبيعة الإنسانية لا تفترض بالضرورة أن تكون كائنًا سياسيا مهتمًا بالعالم خارجك! وأقصد بالسياسة هنا، الصراع السياسي بين السلطة من ناحية والمعارضة من ناحية أخري بالمعني الواسع للسلطة والحكومة والنظام وبالمعني الواسع للمعارضة أحزابًا وتيارات وشخصيات عامة وأفرادًا!

أقصد بالسياسة هنا، الصراع حول الديمقراطية، التوريث، تداول السلطة، الانتخابات، التغيير، الدستور، كل هذه القضايا وأكثر، جمال مبارك، البرادعي، أيمن نور، حزب التجمع، حزب الوفد، حزب الغد، الإخوان المسلمون، الكنيسة والعلمانيون وأقباط المهجر، وكل القضايا المرتبطة بذلك الهم وما أكثرها!

لن أكتب في السياسة بعد النقطة التي تغلق السطر الأخير من تلك المقالة، وسأظل صامتة إلي ما بعد انتخابات الرئاسة المزمع إجراؤها في عام 2011!

بعد تلك الانتخابات ربما سأعود للكتابة في الشأن السياسي المصري العام، بعدما تكون الصورة الضبابية -كما أراها الآن- قد اتضحت وجرت في النهر مياه كثيرة وانكشف المستور ذلك الذي يجهز له المسرح السياسي لكني لا أراه ولا أفهمه وأنا في الحقيقة أحترم نفسي وعقلي ولست بدجالة كي أكتب عن الأشباح والعفاريت واستنطقهم وأدعي العلم والمعرفة بما لا أراه من ظواهر سياسية وميتافيزيقية غامضة!

هذه مقالتي الأخيرة، لأن ما أقوله لا يهم أحدًا ولا يجدي ولا يغير من كل ما يحدث شيئًا، فما جدوي الهمس وسط الصخب والصراخ والضجيج والعويل والأصوات العالية! ما جدوي المناقشة الموضوعية خفيضة الصوت وسط مشاجرة كبري يشتبك جميع أطرافها بالصراخ والقول والشعارات مع بعضهم البعض في حمي هيستيرية، المناقشة الموضوعية هنا عبث ساذج لا معني له وبلاهة لا قيمة لها مهما بلغت قوة منطقها وبلاغة حجتها! ما جدوي المناقشة الموضوعية وسط طبول الحرب التي تدوي ضرباتها تصم الآذان فلا يسمع أحد أي شيء مما يقال ويرد ويقبل ويرفض دون انتباه حقيقي لكل ما يقال ودلالاته ومعناه وآثاره المستقبلية، ما جدوي الكلام العاقل وسط مباريات كرة القدم التي يشجع فريقيها جمهور من المتعصبين الحمقي هؤلاء الراغبين في قتل وذبح وموت الفريق الآخر انتصارا وسحقا له خروجا عن كل قواعد اللعبة المعروفة! ليس هناك جدوي! هكذا الأمر باختصار!

لا أفهم جيدا ما يحدث، لا أري الصور بكل تفاصيلها، لا أري جدوي من الحديث، لا أحد يهتم بالتفكير فيما يحدث ومحاولة استنباط أسبابه وفهمها، إذن هو الصمت علاجا ناجحا للحيرة الحالية وحتي إشعار آخر!

هذه مقالتي الأخيرة في الشأن السياسي المصري، بعدها سأصمت وأتابع مثل الملايين، سأصمت وأتفرج مثل الملايين، هؤلاء الملايين العازفين عن المشاركة العازفين عن التعبير عن أنفسهم، ربما لأن أحدا لا يعبر عنهم، ربما لأن كل ما يحدث لا يخصهم، ربما لأن كل ما يحدث ليس له أي قيمة عندهم، ربما لأنهم لا يصدقون كل ما يحدث وكل ما يقال، ليس مهمًا السبب في العزوف والصمت، لكنهم صامتون عازفون عن المشاركة حتي بالاهتمام مجرد الاهتمام! وبما أننا نتكلم عن الشعب كثيرا ونزعم أننا نعبر عنه ونفهم رغباته ونتحدث بلسانه، بما أننا نتكلم عن الشعب كثيرا فلا أقل من الانضمام لصفوف أبنائه الصامتين الرافضين للمشاركة في أي شيء مما يحدث حولهم، سأنضم للشعب الصامت يتابع ولا يشارك، يتفرج ولا يلعب، يسخر من كل ما يحدث ولا ينطق، ربما سأصفق أو أغضب أو أرفض أو أقبل كل أو بعض ما يحدث، سأنضم لصفوف الشعب الذي ينتظر بمنتهي الصبر من ستأتي به الأيام يوما ليعبر عنه ويحقق أحلامه المشروعة البسيطة في حياة أفضل وأجمل وأكثر احتراما وإنسانية!

بعد نهاية السطر الأخير في هذه المقالة، سأصمت تماما مثل ملايين المصريين وأكتفي بالمتابعة والمشاهدة و«الفرجة».

في هذه المقالة سأحاول قراءة الواقع، أقول سأحاول، وبعدها سأصمت أنتظر ما الذي سيحدث! وبعدما تجري المياه الكثيرة في النهر وتتضح الصورة وتنكشف عن أوراقها، بعدها سأعود وأكتب، تحليلا لما يحدث! أو لا أكتب أساسا هذا أيضًا ربما لن يفرق!

فما يحدث الآن غير مفهوم غير معقول وربما غير مقبول! سأحاول قراءته في سطوري المقبلة، ربما أفهم وربما يزداد الأمر غموضا فيكون الصمت ضرورة ولحين إشعار آخر!

(1) أحاول قراءة الواقع وفهمه!


نحن علي أعتاب فصل جديد في كتاب الحياة السياسية المصرية!

في 2011 ستتم الانتخابات الرئاسية الجديدة! استعدادا لتلك الانتخابات ما الذي يحدث هذه الأيام علي المسرح السياسي المصري؟!

انتخابات الرئاسة في عام 2011، قبلها انتخابات مجلس الشعب، انتخابات مجلس الشعب ستؤثر علي انتخابات الرئاسة التي ستتم بعدها طبقا لقواعد الدستور، لكن قطاعًا كبيرًا من المعارضة السياسية المصرية لا يفكر في انتخابات مجلس الشعب ولا منشغل بها لكنهم في نفس الوقت يطالبون بتغيير الدستور ليسمح بالترشح للمقعد الرئاسي بلا قيد ولا شرط! لماذا؟ لأنه لا يعجب تلك المعارضة السياسية بالطبع القيود الدستورية الحالية علي الترشح للمقعد الرئاسي سواء ضرورة تأييد عدد من أعضاء مجلسي الشعب والشوري والمجالس المحلية لأي مواطن حتي يمكنه الترشح حسبما حدد الدستور وأيضًا لا يعجبهم ضرورة حصول الحزب السياسي علي نسبة معينة من الأصوات في الانتخابات النيابية كشرط لترشيح أحد قيادات الحزب نفسه للمقعد الرئاسي!

القيود الدستورية لا تعجب المعارضة السياسية، وتطالب بالتغيير! لكني أفكر في اعتراضاتهم ومعناها ونتائجها. هل أوافق عليها؟ وإذا كنت لا أوافق عليها هل هذا يعني أني أدعم الحكومة في مواجهة الشعب وضده!

هم - أي المعارضة السياسية المصرية بجميع فصائلها - يرون أنه من حق أي مواطن مصري أن يترشح لانتخابات المقعد الرئاسي، دون شرط ضرورة تأييد ترشيحه من عدد من الأعضاء النيابيين المنتخبين (باعتبار أن أي مرشح غير مرشح الحكومة لن يحصل علي ذلك التأييد لأن الأعضاء النيابيين المنتخبين سيؤيدون مرشح الحكومة لأنهم كلهم تابعون للحكومة باعتبار أن كل غير الحكوميين سيسقطون في الانتخابات سواء بالتزوير والعنف الحكومي سواء لأي أسباب أخري) إذن تطالب المعارضة بتغيير الدستور لأنها تفترض أنها - أي المعارضة - بكل فصائلها ستفشل في كل الانتخابات النيابية ولن تحصل من كل المجالس النيابية (شعب- شوري- محليات) علي نسبة التأييد اللازمة لإمكانية الترشح للمقعد الرئاسي! وهذا الافتراض هو المبرر المنطقي للمعارضة لطلب إلغاء القيود الدستورية سالفة الذكر هذا من ناحية!

من ناحية أخري فالمعارضة الحزبية تحديدًا تعترض أيضًا علي القيود الدستورية، لماذا، لأن كل الأحزاب تفترض - كمبرر لاعتراضها - أن مرشحي حزبها - في الانتخابات البرلمانية - لن يحصلوا علي نسبة الـ5% من إجمالي الأصوات وبالتالي لأنها لن تحصل علي تلك النسبة، لن تستطيع ترشيح أحد قيادي حزبها لانتخابات المقعد الرئاسي، وبالتالي لن يستطيع إلا الحزب الحاكم الحصول علي ما يزيد علي تلك النسبة وبالتالي لن يقوي أي حزب علي ترشيح أي قيادي من قيادييه للمقعد الرئاسي إلا الحزب الحاكم!

إذن في حقيقة الحال، المعارضة السياسية المصرية تري أن القيود الدستورية ستحول بينها وبين إمكانية تقديم مرشح للمقعد الرئاسي، لأن المعارضة السياسية المصرية تري أنها لن تحصل علي تأييد أعضاء المجالس النيابية ولن تحصل علي نسبة الأصوات المطلوبة من إجمالي الأصوات النيابية للدفع بقياديي الأحزاب للتنافس علي المقعد الرئاسي!

إذن نحن لن نحصل علي النسب المطلوبة للترشح! لكننا نرغب في الترشح!

هل هذا هو الموضوع؟

أليس من حقي ببراءة أسأل وماذا عن فرصها في النجاح! فإذا كانت المعارضة السياسية المصرية مجتمعة تري أنها لن تفلح في إدخال أعضاء في جميع المجالس النيابية (شعب وشوري ومحليات) تكفي لتأييد ولو مرشح واحد تتفق عليه المعارضة كلها لخوض المعركة الانتخابية الرئاسية، وإذا كانت المعارضة السياسية الحزبية تري أن أي حزب لن يفلح في الحصول علي نسبة الـ5% من إجمالي أصوات الناخبين في مجلسي الشعب والشوري تكفي لدفع أحد قياديي ذلك الحزب لخوض المعركة الانتخابية الرئاسية، فلو تصورنا جدلا أن تلك القيود قد رفعت وأصبح حق الترشح مباحًا لأي شخص - بصرف النظر عن صلاحيته وجماهيريته وقوته وتاريخه النضالي وشعبيته - وأصبح من حق المعارضة السياسية المصرية أن تزج في تلك المعركة ليس بمرشح واحد بل بألف مرشح، كيف سينجح هؤلاء المرشحون في الانتخابات؟ ألن ينجحوا بأصوات الناخبين؟ أليس هم ذاتهم الناخبون الذين لم يمنحوا تلك الأحزاب نسبة قليلة من أصواتهم في الانتخابات النيابية تكفي لترشيح أحد قيادييها؟

أم إن هدف المعارضة السياسية المصرية وقت الزج بمرشحيهم للمقعد الرئاسي ليس تصور إمكانية نجاحهم في الانتخابات وإنما فقط إمكانية الترشيح وفقط؟ أم أن المعارضة السياسية المصرية تتصور أنه وقت رفع القيود الدستورية، والزج بعشرات المرشحين، ستتمكن المعارضة - بعصا سحرية - من حشد أصوات الناخبين بالملايين ودفعهم للتصويت لمرشحيها! وإذا كانت المعارضة السياسية المصرية تتصور أنها ستفلح وقتها بحشد أصوات الناخبين بالملايين وإقناعهم بالتصويت لها علي المرشح الرئاسي، فلماذا لم تفلح المعارضة السياسية طوال عمرها في التجربة الديمقراطية الحديثة منذ عام 1976 في إقناع ملايين الناخبين بالتصويت لها في معارك أصغر وأقل أهمية كثيرًا من معركة المقعد الرئاسي! ربما السبب أن الحكومة مستبدة وقمعية وغير ديمقراطية وتزور الانتخابات وتحول بين المعارضة وبين جماهيرها، إذا كان الحال كذلك، ما الذي تتصوره المعارضة بشأن الحكومة إذا ما رفعت القيود الدستورية، هل تتصور أنها ستتبدل لحكومة من الملائكة الديمقراطيين التي ستتيح الفرصة كاملة وبمنتهي الروح الرياضية للمعارضة كي تمارس حقها الديمقراطي في تداول مقاعد السلطة والحكومة والرئاسة!

هل المشكلة التي يعيشها الوطن في أزمة الديمقراطية وتداول مقاعد الحكم، أن الحكومة غير ديمقراطية، أم المشكلة أن المعارضة ضعيفة؟ وهل ضعف المعارضة فقط بسبب عدم ديمقراطية الحكومة أم لأسباب تتعلق بالمعارضة ذاتها! لماذا لا يؤيد الشعب المعارضة؟


هل لأنه يؤيد الحكومة وراض عنها؟ هل لأن المعارضة لا تعجبه؟ هل لأنه خائف من تأييدها خوفا من بطش الحكومة؟ أم أن الشعب لا يفكر في الأمر أساسًا؟ هل المشكلة في الشعب ذلك السلبي الذي لا يشارك في العملية الانتخابية أساسًا ولم يستخرج بطاقات انتخابية رافضا المشاركة في تلك اللعبة، ومن استخرج منه بطاقات انتخابية استخرجها لأسبابه الخاصة البعيدة عن الصراع بين الحكومة والمعارضة، وحين تبدأ الانتخابات يبيع صوته الانتخابي لمن يدفع أكثر أو ينتخب من يمليه عليه ضميره القبلي أو العائلي بصرف النظر عن السياسة ودهاليزها؟ هل المشكلة في القيود الدستورية، أم المشكلة في طريقة الانتخابات وعدم نزاهتها وعدم شفافيتها، أم المشكلة في عزوف الناس عن المشاركة في الانتخابات، أم المشكلة في عقلية الناخب الذي مستعد لبيع صوته لمن يدفع أكثر أو تقديمه علي طبق من فضة لابن العشيرة أو القبيلة أو العائلة أو لصاحب السطوة أو النفوذ أو الجاه!

أين المشكلة؟ أليس مهما أن نفهم ما الذي يحدث حولنا؟


إذا فهمنا وشخصنا الداء أمكننا معرفة الدواء! أين المشكلة؟

(2) أحاول قراءة الواقع وفهمه!


أفكر كثيرًا حتي يكاد رأسي يحترق، أتابع كل ما يحدث حولي، أتأمل أخبار الصحف والمانشتات، تعليقات القراء علي مواقع الصحف علي الإنترنت، تعليقات الناس علي الفيس بوك، أقرأ بعناية السطور وما بين السطور، أنصت للحوارات الخاصة بين البشر، أقرأ ملامح وجوههم، أحاول استشف المسكوت عنه، أحتار كثيرًا في فهم ما يحدث، لا أصدق أنه بالطريقة التي يحدث بها! أشك كثيرًا في فهمي وإدراكي لما يحدث، أراجع قناعاتي، مواقفي السياسية، أحلامي للوطن، أراجع كل شيء، أتعجب من نفسي أولاً، لماذا لا أفهم ما يحدث، بل لماذا لا يعجبني، لماذا لا أتحمس له، أقرأ كل خبر بعناية، ما هو المقصود من نشره، ما هو الخطاب الذي يتضمنه، ما هي النتيجة التي يهدف إليها المتحدث أو الكاتب أو المعلق، ما هي النتيجة التي سنصل إليها، ما هي النتيجة التي يدفعنا إليها!

بعض المصريين غاضبون من حال الوطن وحالهم، بعضهم غاضبون، ربما الجميع، لا أعرف! لكن إذا كان الجميع غاضبين حسب زعم بعض الأحزاب والتيارات والقوي السياسية، إذا كان الجميع غاضبين، لماذا لم يقو الغاضبون وهم الجميع لماذا لم يقووا علي إجراء التغيير المنشود لهؤلاء «الجميع»!

سؤال مهم يشغلني وأفكر فيه كثيرًا! هل الثمانون مليون مصري وأكثر جميعهم ضد حكومة الحزب الوطني وسياساتها الاقتصادية الاجتماعية؟ وإذا كان الثمانون مليون مصري وأكثر فعلاً ضد الحكومة ورافضين لسياساتها ولا أقول معارضين لأن المعارضة حالة إيجابية تتجاوز الرفض للتعبير عنه، إذا كانوا جميعهم فعلا ضد الحكومة، لماذا لم يتجاوز هؤلاء الملايين حالة السلبية لحالة المعارضة الإيجابية.

لماذا لم يسع هؤلاء الملايين، ويبذلوا مجهودًا لتغيير تلك الحكومة التي يرفضونها! هل لأنهم مازالوا في مرحلة الرفض السلبي ولم يتجاوزوها لمرحلة المعارضة والفعل الإيجابي؟ هكذا يقول البعض، الشعب المصري سلبي! ويركن إلي تلك السلبية لتبرير عزوفه وانصرافه عن الشأن السياسي كله! لكن هذا قول متناقض غير منطقي، الجميع غاضب الجميع سلبي الجميع عازف عن المشاركة الجميع ينتظر النخب السياسية - حسب تصورات النخب السياسية وليس حسب ما أفصح عنه الشعب - لتأتي له بالعصا السحرية تغير حاله وأوضاعه التي يكرهها ويتمني تغييرها! أظن هذا كلامًا غير حقيقي وغير واقعي!

أظن أن الادعاء بأن الثمانين مليونًا غاضبون رافضون معادون لحكومة الحزب الوطني ادعاء غير صحيح وغير حقيقي، نعم يتردد كثيراً هذا الكلام ليبدو حقيقيا لكني أظنه غير حقيقي! وإذا كان كلامي الأول يصف أمراً غير حقيقي رغم الترويج له ليبدو حقيقيا وواقعيا، فما هو الحقيقي؟ الجميع راضون عن الحكومة وسعداء بها ويصفقون لها طيلة الوقت، هل هذا حقيقي؟ هل الجميع راضون سعداء والنخب السياسية تعيش وهماً زائفاً؟ لا.. هذا أيضاً ظن غير حقيقي وغير واقعي! إذن ما هو الحقيقي الواقعي.. أليس مهمًا أن نفهم لنتصرف؟ أليس تشخيص الداء أول طريق العلاج، وما هو الداء يا أيها الأطباء الماهرون؟

لماذا أشعر بأن المجتمع المصري اليوم يعيش حالة مثل تلك التي عاشها العميان في الأسطورة الهندية وقت التفوا حول الفيل وتباروا في وصفه حسبما أحسه كل منهم، من وضع يده علي «الزلومة» وصف الفيل باعتباره رفيعًا اسطوانيا يعلو ويهبط، ومن وضع يده علي «البطن» وصف الفيل باعتباره عريضًا كبيرًا رخوًا، ومن وضع يده علي «الساق» وصف الفيل باعتباره كجذع شجرة أسطواني يعلوه سقف صلب!

كان جميعهم يصف ما يحسه ويشعر به لكن كلاً منهم يصف وصفاً منقوصاً غير دقيق لا يتجاوز مساحات إحساسه الشخصي!

هل فعلاً المصريون حكومة ومعارضة وشعبًا مثل العميان في الأسطورة الهندية، كل منا يصف ما يراه وفقط لكنه لا يصف الحقيقة!

(3) مازلت أحاول قراءة الواقع!


إذا كان بعض الثمانين مليونًا رافضين للحكومة وبعضهم راضيا عنها وربما داعمًا لها، فكم نسبة الراضين المؤيدين لنسبة الرافضين المعارضين؟ هل تعرف الحكومة من الذي يؤيدها ولماذا يؤيدها؟ هل تعرف من الذي يرفضها ولماذا يرفضها؟ هل تعرف المعارضة بكل فصائلها المختلفة من الذي يؤيدها ولماذا يؤيدها؟ ومن الذي يرفضها ولماذا يرفضها؟ أسئلة كثيرة تحيرني أفكر فيها كثيراً ولا أجد لها إجابات.

أسئلة تفرض نفسها علي وسط صخب وضجيج سياسي رهيب، صخب تسمع قرقعته في وسائل الإعلام والفضائيات والبرامج الحوارية وتقرأ عنه في الصحف والمجلات والمانشيتات الصحفية الساخنة، صخب سياسي وضجيج قد يخدع المراقبين أحياناً ويشير لما ليس حقيقيا، أو يشكل جزءًا من الحقيقة لكن ليس كلها!

ما الذي يحدث؟


التيارات السياسية المعارضة باختلافاتها الكثيرة لا تتفق إلا علي زعم مفاده أن الشعب كله ضد الحكومة غاضب من سياساتها رافض لتوجهاتها يتمني تغييرها، وهذا التصور يقودنا بالضرورة لنتيجة واحدة حسب تصورات المعارضة، هي ضرورة سعي الشعب للتغيير وإصراره عليه، لكن الشعب ساكن وساكت لا يسعي للتغيير حسب تصورات المعارضة، فالواقع الحقيقي يتناقض مع افتراض المعارضة الذي تروج له في جرائدها وتصريحات زعمائها طيلة الوقت.. التيارات السياسية تصف معضلة تستعصي علي الملائمة، الجميع غاضب لكن الجميع سلبي ساكن!

في نفس الوقت التيارات السياسية المعارضة لم تفسر لنا المعضلة التي نعيشها - حسب ادعاءاتها - من أن الشعب كله ضد الحكومة ومفترض نظريا أنه يؤيدها- أي المعارضة - ورغم هذا فإن ذلك الشعب نفسه لا ينتخب المعارضة ولا ينشط في صفوفها ولا يدعمها، فالشعب مازال بعيدا عن عضوية الأحزاب ومقاراتها الحزبية ودعم مرشحيها انتخابيا!! أم إن ما تصفه التيارات السياسية المعارضة ليس وصفا حقيقيا دقيقا للواقع، والأمر لا يعدو مرآة ينظرون فيها فيرون الغضب المرتسم علي وجوههم كأنه الحقيقة الوحيدة في الحياة!

بل إذا كان الجميع غاضبين كما يقول البعض، فهل الجميع غاضبون لنفس الأسباب، وهل الجميع يهدفون للتغيير بنفس الشكل ونفس النتيجة؟

أنا شخصيا لا أظن أن الجميع غاضبون لذا أقول حسبما أري أن بعض المصريين غاضبون من حال الوطن، غاضبون من الدستور، غاضبون من الحكومة، غاضبون من الحزب الوطني وهؤلاء الغاضبون يصرخون يطالبون بالتغيير، لكن حتي هؤلاء الغاضبين ليسوا متماثلين ليسوا متطابقين لا ينبعث غضبهم من بوتقه واحدة، ولا يهدف لنتيجة واحدة، الغاضبون يصرخون يطالبون بالتغيير لكنهم لا يقولون ما هو شكل التغيير المنشود، ولا يقولون ما هو شكل المجتمع الذي سيأتي به التغيير، ربما يرد علي البعض بأنه ليس مهما شكل التغيير ولا مهمًا شكل المجتمع الذي سيكون، إنما المهم التغيير والتغيير فقط.

ووصولا للتغيير الذي لم يقل أحد شكله، يتكاتف - كل أو بعض - السياسيين المعارضين المختلفين مع الحكومة والنظام الرافضين لهم، يتكاتفون جميعا علي اختلاف أفكارهم وآرائهم السياسية والاجتماعية والعقائدية والاقتصادية يتكاتفون لحشد وتجميع الغاضبين- علي اختلاف أسباب الغضب ومستهدفاته - وشحذ غضبهم وصولا للتغيير الذي أصبح من وجهة نظر هؤلاء هدفا عظيما ساميا، أما بعد التغيير - بفرض النجاح في الوصول إليه - فوقتها «يحلها الحلال»!

التغيير وفقط هو الهدف، ليس مهما «لايه» ولا «ازاي»، المهم التغيير هو الهدف!! بل ربما تكون الفوضي من وجهة نظر هؤلاء هي الهدف في حد ذاته! الفوضي! وربما تكون الفوضي من أجل التغيير!

(4) مازلت أحاول قراءة الواقع!


ربما يكون هذا هو الهدف! الفوضي من أجل التغيير! ربما يكون هذا هو الهدف الحقيقي لكل ما يحدث، أي شيء غير ما هو موجود، أحسن أسوأ، هذا ليس أمرًا مهمًا، المهم التغيير التغيير!! فالغضب غير المنظم غير السياسي، الغضب من كل شيء وأي شيء، الغضب الذي يشحذه الكثيرون كل يوم.. ينفخون في ناره لتشتعل حريقا مروعا، لن ينتج حياة ديمقراطية سليمة وتداول سلطة ومقاعد الحكم، هذا الغضب لن يثمر إلا فوضي عارمة متجاوزًا كل الأطر وكل القواعد وكل الأفكار وكل البرامج، لن يثمر إلا فوضي عامة مخيفة ربما تؤدي لتغيير لكنه تغيير كارثي مأساوي!

ربما يقول لي قائل: وما لها الفوضي؟ أليست أجمل من الجمود والركود والرتابة ومما نحن فيه؟! وربما يقول لي قائل: لماذا ترفضين التغيير، هل يعجبك ما يعيشه الوطن.. هل تعجبك حياتنا اليومية ومشقتها؟ لا لا يعجبني ما يعيشه الوطن ولا ما يعيشه المواطنون، ولي في شأن حياتنا انتقادات عظيمة، لكني في نفس الوقت أري أن حياتنا التي نعيشها بكل عيوبها ومساوئها واعتراضاتي ورفضي وانتقاداتي لها تعد رحمة ورفاهية تهون بجوار أشكال وأنواع أخري لحياة أخري أبشع وأسوأ وأفسد، قد نجد أنفسنا والوطن قد انزلقنا إليها ونحن نلهث بحماس شديد خلف شعار التغيير الغامض أو الفوضي التي تقود للتغيير!

في نفس الوقت إن وصلنا لهذا المستوي العبثي غير المسئول في المنافسة والاستهتار «ومالها الفوضي» ونحن نتكلم عن الوطن وحالة ومستقبل أبنائه، لا أملك إلا الغضب والصمت!، لماذا، لأن الوطن ليس ورقة كوتشينة نلعب بها باستهتار علي منضدة القمار، ولأن حياة المواطنين ليست بخسا للحد الذي نغامر بها دون اكتراث!! والفوضي تظل فوضي.. حالة سلبية عشوائية مخيفة حتي لو وصفت بأنها الفوضي الخلاقة أو الفوضي المنظمة أو أي أوصاف أخري! الفوضي مرفوضة بجميع أشكالها وأي ما كانت مبرراتها، ولا يعقل، وأنا هنا اتكلم عن حياة سياسية وأحزاب ومعارضة ونخب ومثقفين وأناس مخلصين للوطن محبين له، ولا يعقل أن نستغل غضب الناس من حياتهم، وهو غضب مشروع ومبرر، لا يمكن أن نستغل ذلك الغضب للتلاعب بالناس وخداعهم وإيهامهم بأن التغيير في ذاته، بصرف النظر عن التفاصيل، هدف عظيم يا ليتنا نصل إليه! فالتغيير العبثي العشوائي مع رفضي لكثير مما نعيشه، قد يسفر عن كوارث ومصائب للوطن وللناس وللمجتمع، التغيير ليس هدفا في ذاته، التغيير للأفضل هو الهدف، وعلي كل منا أن يحدد الأفضل من وجهة نظره، ويعتبر ذلك معيارا مهما لرفض أو قبول كل ما يحدث وكل ما يقال، وواجب الأحزاب السياسية والمعارضة والنخب والمثقفين وقت تطرح شعار التغيير أن تخبر جمهورها وأبناء الوطن بمنتهي الأمانة والصراحة والشجاعة بشكل التغيير الذي تنشده وطبيعته وشكل المجتمع الذي تسعي إليه نتيجة لهذا التغيير، فنحن لسنا بنعاج تقاد في طريق مجهول يلوح لنا بالجزرة، وأعواد البرسيم والجرس المدوي فنجري وراءها بمنتهي الحماس فنصل للكارثة التي زين إلينا الطريق إليها باعتباره منتهي الأمل والمني والوطنية والثورية!! والتغيير للأفضل يستحيل أن ينبت في أرض الفوضي والعشوائية والعبث!

الجزء الثاني غداً
نشرت في جريده روز اليوسف اليوميه 21 ابريل 2010

http://www.rosaonline.net/Daily/News.asp?id=58167

الخميس، 11 مارس 2010

نوبل لاتكفي لحكم مصر ....!!!!





فكرت طويلا وترددت كثيرًا قبل الخوض في هذا الموضوع،‮ ‬الدكتور محمد البرادعي والترشح لرئاسة الجمهورية،‮ ‬لماذا ترددت؟ لأن إحدي الجرائد نشرت علي لسان الدكتور البرادعي‮: ‬المضحك أن الوحيدين اليوم اللذين لا‮ ‬يقفان معي‮ - ‬يقصد في مسألة ترشيحه للمقعد الرئاسي‮ - ‬هما إسرائيل وصحف الحزب الوطني‮.‬
وهو تصريح خطير،‮ ‬يخرس عنوة جميع الألسنة التي قد تعارض ترشيحه أو تختلف حوله أو معه لأنها ستتهم إما بالانحياز لإسرائيل وإما بالانتماء للحزب الوطني‮.‬
وخطورة التصريح تأتي أيضًا من إلغاء الدكتور محمد البرادعي لكل ألوان الطيف السياسي في المجتمع المصري،‮ ‬فكأنه‮ ‬يراه فريقين لا ثالث بينهما،‮ ‬الأهلي والزمالك،‮ ‬عسكر وحرامية،‮ ‬أما من مع الحزب الوطني أو ضده،‮ ‬ومن ضد الحزب الوطني هو بالضرورة مع الدكتور البرادعي حسب تصوره،‮ ‬ومن ليس مع البرادعي إذن هو بالضرورة مع الحزب الوطني ومن أنصاره وأتباعه ومريديه‮!!! ‬
معادلة بسيطة لكنها ليست حقيقية للأسف.
ها هو الدكتور رفعت السعيد وهو ليس من الحزب الوطني ورئيس حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي،‮ ‬ليس مع البرادعي ولا‮ ‬يؤيد ترشيحه وغيره كثيرون لا‮ ‬ينتمون للحزب الوطني لكنهم لأسباب كثيرة لا وربما لن‮ ‬يؤيدوا الدكتور محمد البرادعي،‮ ‬فماذا‮ ‬يعني هذا للدكتور البرادعي وما هي دلالاته‮!! ‬خطورة التصريح المنشور ليس فقط في الخنادق المفترضة التي رسمها الدكتور البرادعي أو رسمت له‮ ‬وخندق‮ ‬فيها الشعب المصري وقسمه لفريقين‮ ‬ملك وكتابة‮ ‬بل خطورته أنه‮ ‬يكشف عن نظرته للمجتمع وقدر إحساسه به وإدراكه وإلمامه ومعرفته بطبيعته وما‮ ‬يموج فيه‮.‬
شط البحر
‬تصريح‮ ‬يكشف أن الدكتور البرادعي،‮ ‬حسبما أري،‮ ‬يقف علي شط البحر لا‮ ‬يري بالضبط أو بدقة ما‮ ‬يعتمل تحت مياهه الهادئة أو الغاضبة،‮ ‬يقف علي شط البحر‮ ‬يتصور أنه‮ ‬يعرفه فهو ماء مالح ورمال وأسماك‮! ‬لكن تصور المعرفة‮ ‬غير حقيقتها،‮ ‬والحكي‮ ‬غير المعايشة واللي إيده في الميه مش زي اللي إيده في النار‮!!‬
ما علينا‮...
‬كمواطنة مصرية مهتمة بشأن الوطن وحاله،‮ ‬أتابع طبعا مثل الكثيرين،‮ ‬الصخب الدائر حول الدكتور البرادعي وترشحه للمقعد الرئاسي،‮ ‬وأتابع الشعارات التي‮ ‬يطلقها البعض حول هذا الموضوع وبشأنه،‮ ‬فتارة‮ ‬يقول أحدهم‮ ‬البرادعي أمل مصر في التغيير‮ ‬وتارة‮ ‬يقول أحدهم‮ ‬البرادعي أحرج المعارضة وأعلن إفلاسها‮ ‬وتارة‮ ‬يقول أحدهم‮ ‬البرادعي أرسل رسالة للحكومة والنظام أن الشعب‮ ‬يريد التغيير‮ ‬وتارة‮ ‬يقول أحدهم‮ ‬مين البرادعي؟‮.‬
من بلاد المهجر
وقبل أي شيء أوضح موقفي أنا الشخصي من الدكتور محمد البرادعي الشخصية المصرية المرموقة التي‮ ‬شرفتنا‮ ‬في المحافل والمنظمات الدولية وشغل ثلاث مرات منصب مدير الوكالة الدولية للطاقة النووية وحاصل علي جائزة نوبل للسلام مع الوكالة التي كان مديرها ومنحته مصر قلادة النيل العظمي أرفع وأرقي أوسمتها احتفاءً‮ ‬واحتفالاً‮ ‬به‮.‬
هو شخصية مصرية جديرة بكل احترام عاش حياته المهنية والوظيفية كلها أو معظمها خارج الوطن‮ ‬منذ سافر للدراسة في كلية نيويورك الجامعية للحقوق وحصل علي الدكتوراه‮ ‬1974‮ ‬وحتي أنهي مدة عمله كمدير للوكالة الدولية للطاقة النووية‮ ‬2009‮ ‬كمثل بعض أبناء مصر ممن‮ ‬غادروا الوطن واستقروا للعمل والإقامة والحياة في بلاد المهجر،‮ ‬هؤلاء المصريون النبهاء الأكفاء المتفوقين الذين تتشرف بهم الجامعات ومراكز البحث والمستشفيات ومؤسسات العمل المختلفة والمنظمات الدولية المختلفة‮.‬
الأطلال والطعمية والنيل
‮ ‬من هذا المنطلق لا أحمل للدكتور البرادعي إلا كل احترام وتقدير شأنه شأن الكثيرين من المصريين المحترمين الأكفاء النبهاء سواء عاشوا حياتهم كلها في السعودية أو الكويت أو انجلترا أو كندا،‮ ‬عاشوا هم وأسرهم وأبناؤهم هناك في البلاد البعيدة‮ ‬فزوجته مدرسة في فيينا وأولاده‮ ‬يعيشون في لندن‮ ‬هؤلاء الذين قرروا لأسباب تخصهم وتخص مستقبلهم المهني العملي الوظيفي أن‮ ‬يقلعوا كالطيور المهاجرة للبلدان الأخري‮ ‬يبحثون لأنفسهم عن مكان تحت شمسها.
نعم‮ ‬يظل الوطن وحبه في قلوبهم،‮ ‬فيبكون حين‮ ‬يسمعون‮ ‬يا حبيبتي‮ ‬يا مصر وأطلال أم كلثوم وأحضان عبدالحليم حافظ ويشجعون فريقنا القومي ويحبون سعاد حسني‮ ‬ورشدي أباظة ويشتهوا أكل الفول والطعمية وتوحشهم مصر‮ ‬أم القناطر والنخيل والنيل وأحلي الذكريات‮.‬
لكنهم‮ ‬يختارون الاستقرار في الغربة،‮ ‬يبقون مشتاقين للوطن محبين لترابه نعم،‮ ‬لكنهم لا‮ ‬يتركون مواقعهم ولا‮ ‬يعيشون معنا ولا‮ ‬يشاركوننا ازدحام القاهرة ولا تلوث سمائها ولا‮ ‬يعانون من دروس الثانوية العامة ولا ارتفاع أسعار الكهرباء ولا‮ ‬يعايشون أزماتنا اليومية في‮ ‬غلاء سعر البنزين وطوابير الخبز وارتفاع أسعار الأنابيب ولا تؤرقهم مشكلة السنة السادسة الابتدائية وإلغائها ولا دخول المنتقبات للجامعة ولا انفلوانزا الخنازير ولا‮ ‬يخزق أطفال الشوارع المشردين أعينهم كل‮ ‬يوم في إشارات المرور ولا‮ ‬يعانون من انقطاع‮ ‬المياه عن منازلهم طيلة النهار ولا‮ ‬يبحثون عن واسطة تعين ابنهم‮ ‬الحيلة‮ ‬خريج المدارس الحكومية في شركة أجنبية بمرتب‮ ‬يستر،‮ ‬هم مصريون نعم،‮ ‬يحتل الوطن قلوبهم نعم،‮ ‬يحنون لذكرياتهم فيه ويشتاقون لنيله وترابه وأهراماته نعم،‮ ‬لكنهم لا‮ ‬يعيشون فيه ولا‮ ‬يعرفونه مثل النائمين علي الأرصفة المغروسين حتي رءوسهم في الطين‮.‬
عواطف من بعيد
‮ ‬وما أقوله في حق المصريين في المهجر ليس نقيصة وليس عيبًا فيهم،‮ ‬ما أقوله في حقهم ليس انتقاصًا من انتمائهم للوطن أو حبهم له،‮ ‬ما أقوله ليس إلا وصفا‮ ‬يتفق مع كل شكاواهم التي نسمعها منهم ليل نهار وقت‮ ‬يقضون إجازتهم القصيرة تحت سماء الوطن،‮ ‬يعانون من واقعنا اليومي ويشكون من تفاصيل حياتنا وينتقدون أحوالنا ويقارنوننا بالدولة الغنية المستقرة وديمقراطيتها الراسخة وأحوالها الرغدة وسرعان ما‮ ‬يعود لبلاد المهجر التي احتوتهم واحتضنتهم وأعطتهم ما لم‮ ‬ينجحوا في الحصول عليه في الوطن المرهق بأحواله المتعب بهمومه المضطرب بمشاكله‮!!‬
عبدالناصر ومراكز القوي
وقبل الإسهاب في الحديث عن الدكتور محمد البرادعي وترشحه أو انتوائه الترشح للمقعد الرئاسي في انتخابات‮ ‬2011،‮ ‬نعود للبداية‮.. ‬في عام‮ ‬1976‮ ‬بدأت الحقبة الديمقراطية الجديدة في المجتمع المصري بعد ثورة يوليو وبعد انتهاء زمن التنظيم السياسي الواحد وبعد الحكم علي رموز النظام الناصري وحقبة عبدالناصر بالسجن في القضية التي سميت‮ ‬مراكز القوة‮‬،‮ ‬بعدها بدأت تلك الحقبة الجديدة في الصراع الديمقراطي السياسي المصري حينما أعلن الرئيس السادات عن تكوين‮ ‬المنابر الثلاثة‮ ‬اليمين والوسط واليسار،‮ ‬تلك المنابر التي تحولت وبسرعة لأحزاب سياسية رسمية،‮ ‬حزب التجمع اليساري وحزب الأحرار اليميني وحزب مصر العربي الاشتراكي الوسطي،‮ ‬وسرعان ما تكون الحزب الوطني الديمقراطي باعتباره وريثا لحزب البطل المصري مصطفي كامل وترأسه الرئيس أنور السادات رئيس الجمهورية وسرعان ما انضم إليه معظم أعضاء حزب مصر العربي الاشتراكي الذي ترك خاليا إلا من رئيسه عبدالعظيم أبوالعطا وقليل من أعضائه نسيهم جميعهم التاريخ والجغرافيا‮.‬
‮ ‬وخلال الفترة من‮ ‬1976‮ ‬وحتي الآن،‮ ‬ناضل الوفديون بضراوة لتكوين حزبهم كحزب الليبرالية المصرية والاقتصاد الحر وبعد معارك قضائية كثيرة ومتتالية مع لجنة تكوين الأحزاب منح القضاء للوفديين الحق في التواجد علي الساحة السياسية المصرية بحزب رسمي علني‮ ‬حزب الوفد الجديد‮ ‬أيضا ناضل الناصريون بضراوة للإعلان عن حزبهم حزب الاشتراكية والوحدة العربية وريث الحقبة الناصرية وأفكارها وقادتها وزعمائها الفكريين والسياسيين وشبابها أعضاء منظمة الشباب الاشتراكي ونوادي الفكر الناصري بالجامعة وعقب معارك طويلة قانونية مع لجنة تكوين الأحزاب ورفضها بالتصريح لهم بتكوين الحزب منحهم القضاء الحق في التواجد علي الساحة السياسية المصرية بحزب رسمي علني‮ ‬الحزب العربي الديمقراطي الناصري‮.‬
المحظورة والطائفية
وحاول الإخوان المسلمون بدأب وقوة أكثر من مرة تأسيس حزب علني بخلاف جماعتهم‮ ‬المحظورة‮ ‬قانونا وخاضوا معارك كثيرة قانونية وواقعية تتيح لهم التواجد السياسي العلني باسمهم التاريخي‮ ‬الإخوان المسلمون‮ ‬أو أي اسم آخر يعتنق فكرهم ويتبني أفكارهم وبرنامجهم السياسي لكن لجنة الأحزاب رفضت التصريح لهم بحزب علني باعتباره حزبًا يقوم علي أساس ديني طائفي بالمخالفة للقانون والدستور فاكتفت جماعة الإخوان المسلمين بشكل الجماعة كشكل سياسي مع فرض تواجدها الفعلي الواقعي في الشارع السياسي مع الاحتفاظ بلقب‮ ‬المحظورة‮!!
‬وجرت في النهر مياه كثيرة،‮ ‬وتغير الواقع السياسي أكثر من مرة بدخول أحزاب جديدة للساحة السياسية،‮ ‬وبتغير شكل الأحزاب وبرامجها السياسية،‮ ‬فحزب العمل الاشتراكي برئاسة المهندس إبراهيم شكري تحول لحزب العمل المدافع عن التيار الإسلامي نابذا الاشتراكية‮.‬‬وتغيرت شكل عضويته وقناعاتهم السياسية المذهبية،‮ ‬وتكون حزب الخضر وحزب الأمة وحزب الوحدوي الديمقراطي والشعب الديمقراطي،‮ ‬وحزب الغد وحزب الوفاق الوطني وحزب الجبهة الديمقراطية وغيرها،‮ ‬وبقيت تيارات سياسية تعمل بالسياسة بشكل واقعي دون أحزاب رسمية علنية كالشيوعيين المصريين بفصائلهم المختلفة،‮ ‬ومارس جزء من النخبة السياسية المصرية اهتماماتهم السياسية في أحزاب واقعية لم تصرح لها لجنة الأحزاب بالعمل الرسمي تحت عنوان‮ ‬حزب تحت التأسيس‮ ‬كحزب الوسط الجديد والحزب المصري الليبرالي وحزب الكرامة وحزب الإصلاح والتنمية وجميعها أحزاب تمارس العمل السياسي في مصر وهي تحت التأسيس،‮ ‬أربعة وثلاثين عاما من الصراع السياسي المصري بين أحزاب سياسية مختلفة البرامج والأهداف والتوجهات الاقتصادية والاجتماعية عاشتها مصر وعاش في ظلها المصريون‮.‬
أربعة وثلاثون عامًا من الصراع السياسي المصري شهد المجتمع المصري فيها أحداثًا كثيرة وصراعات بين الأحزاب وبعضها،‮ ‬تحالفات اختلافات اقتراب ابتعاد توحد في العمل حول قضايا محددة،‮ ‬شهد المجتمع المصري جرائد حزبية كانت وانتهت وجرائد مستقلة تعبر عن تيارات سياسية لم يصرح لها القانون بالتواجد السياسي لكنها فرضت تواجدها علي أرض الواقع بأفكارها وأعضائها وجرائد حزبية عبرت عن أحزابها وبقيت ومازالت تصدر،‮ ‬شهد المجتمع المصري خلافات بين أعضاء الحزب الواحد بعضهم وبعض اختلافًا علي البرامج انقسامات وصراع وصل للضرب والتشابك بالأيدي ومحاضر الشرطة بل ووصل لاطلاق الرصاص واحتلال المقرات وأغلاقها بالبلطجية والجنازير الحديد‮.‬
وخاضت كل تلك الأحزاب والتيارات السياسية صراعات عديدة وانتصروا أحيانا وانهزموا كثيرا ونجح لهم ممثلون في المجالس المنتخبة مجلسي الشعب والشوري والمجالس المحلية وفي النقابات المهنية والعمالية،‮ ‬وصدرت مئات بل مئات الآلاف من الأوراق والبيانات والنشرات توضح الآراء والأفكار والمواقف وتؤيد وترفض وتشجب وتدين،‮ ‬واختلف الجميع واتفقوا بدرجات متفاوتة حول العديد من الأحداث السياسية التي عاشها الوطن اتفاقية كامب دافيد والصلح مع إسرائيل والتطبيع وحول السياسات الاقتصادية والاجتماعية وحول الحركات الاحتجاجية والمظاهرات والإضرابات وحول الموقف من حرب الخليج وحصار العراق واحتلال الكويت وحول الديمقراطية وتوسيع هامشها وتغير القوانين وتعديل الدستور والموقف من النساء والأقباط ومن الفقراء ومن أهل النوبة والمعتقلين السياسيين ومن استقلال القضاء ومن العلاقات العربية وزعامة مصر للأمة العربية ورفع البعض شعار‮ ‬مصر أولا‮ ‬وقال‮ ‬غيرهم‮ ‬طظ في مصر‮ ‬رفع الآخرون شعار مصر قلب العروبة النابض وزعيمة العرب وآمن البعض بأن الصراع مع إسرائيل صراع وجود لا حدود وقال البعض إن الصلح مع إسرائيل والتعاون معها ضروة واقعية،‮ ‬وآمن البعض بأن الاشتراكية هي طريق النجاة وقال البعض الآخر إن الإسلام هو الحل ورفع البعض شعار الدين لله والوطن للجميع وقالوا إن مصر وطن لكل المصريين يعيشون جميعهم،‮ ‬لهم نفس الحقوق والواجبات تحت شعار المواطنة‮.‬
الصراع السياسي المصري
أربعة وثلاثون عاما من الصراع السياسي المصري عرف فيها المصريون واحبوا وكرهوا واحترموا واختلفوا مع أسماء كثيرة لسياسيين معارضين مارسوا العمل السياسي وانضموا للأحزاب والتيارات السياسية العلنية والسرية والمعارضة كخالد محيي الدين وفؤاد سراج الدين وإبراهيم شكري وعبدالعظيم أبوالعطا وعرفوا نعمان جمعة ومحمود أباظة ورفعت السعيد وأبوالعز الحريري وأيمن نور وجميلة إسماعيل وأسامة الغزالي حرب ويحيي الجمل وضياء داود وحمدين صباحي ونبيل الهلالي وسامح عاشور ومحمد سيد سعيد‮.. ‬وغيرهم كثيرون،‮ ‬في نفس الوقت شهدت الساحة السياسية المصرية العديد من الحركات الاحتجاجية الخارجة عن الأحزاب والرافضة الانطواء تحت اجنحتها كحركة‮ ‬كفاية‮ ‬وحركة‮ ‬من أجل التغيير‮ ‬وحركة‮ ‬شايفنكو‮ ‬بخلاف المنظمات الأهلية‮ ‬غير الحكومية المهتمة بقضايا حقوق الإنسان والديمقراطية والمرأة والمطالب المهنية كحركة‮ 9 ‬مارس‮ ‬لأساتذة الجامعة وتشكلت العديد من جماعات الضغط والمراكز الحقوقية الإسلامية والمسيحية والنقابية التي تمارس شكلا ما من أشكال العمل السياسي‮ ‬غير الحزبي وتداخلت الأنشطة السياسية والحقوقية مع المطالب المهنية والفئوية وكثرت الجرائد والصحف والبرامج التليفزيونية المعارضة أو المنتقدة للحكومة وأحوال الحياة المصرية وبرزت العديد من الوجوه والأسماء السياسية والمعارضة للحكومة والمختلفة معها وتعرف المجتمع المصري علي أسماء كثيرة كقادة سياسيين‮ ‬غير حزبيين في مجال العمل الحقوقي أو النقابي أو المهني‮.‬
حرية الكلام والكتابة
أربعة وثلاثون عاماً‮ ‬من الصراع السياسي الفكري المحتدم التي يموج بها المجتمع المصري مع مساحات‮ ‬تتزايد أو تنقص حسب الأحوال‮ ‬من حرية الكلام والكتابة والانتقاد والمعارضة ويعيش المجتمع المصري مواسم سياسية متعاقبة يكثر فيها‮ ‬انتقاد أحزاب المعارضة وجماعات الضغط السياسي والحقوقي للمساحات التي تمارس فيها نشاطها السياسي العملي وتتوجه الانتقادات تارة للحكومة وتارة للقوانين التي يلزم تغييرها وتارة للدستور الذي يلزم تعديل بعض نصوصه بما يسمح بمزيد من الحرية والديمقراطية وتداول مقاعد الحكم وشهد المجتمع المصري في بعض الأحيان اجتماع الفرقاء الحزبيين السياسيين كثيراً‮ ‬علي مطالب سياسية مشتركة ونسقوا العمل والحركة علي الساحة السياسية فيما بينهم وشهد أيضا اختلافهم العنيف حول قضايا منهجية وأيديولوجية فرقت بينهم السبل والطرق والقوة المشتركة وتبادلوا الاتهامات بالتهادن مع الحزب الوطني الحاكم الذي اتهم بدوره بتكبيل المعارضين وفرض القيود الواقعية والقانونية عليهم باستخدام الدولة وأدواتها الأمنية وقوتها الواقعية وموظفيها وتابعيها وعدم منحهم الفرص السياسية المتكافئة للصراع السياسي في شكله الديمقراطي‮.‬
مع إحترامي للدكتور البرادعي
أربعة وثلاثون عاماً‮ ‬من الصراع السياسي المصري عاشها المجتمع المصري بعد تجربة الحزب الواحد والتنظيم السياسي الواحد ولا صوت يعلو فوق صوت المعركة‮ ‬خلال تلك الأربعة وثلاثين عاماً‮ ‬للأسف الشديد ومع شديد احترامي للدكتور محمد البرادعي لم نسمع عن اسمه إلا باعتباره مديرا لوكالة الطاقة النووية لم يعلن عن اهتمامه بأي موقف سياسي أو‮ ‬غضبه من أي موقف آخر لم يقترب لا من بعيد‮ ‬ولا من قريب من عالم السياسة الصاخب الموحش بآلياته القاسية لم يحاضر في حزب ما عن أحوال البلد لم ينضم لحزب ما لم يشرف أي جمعية حقوقية أو أهلية سياسية كانت أو خدمية باسمه وعضويته لم يوقع علي بيان تضامن أو تأييد أو رفض أو إدانة لأي حدث عاشه المصريون،‮ ‬أربعة وثلاثون عاماً‮ ‬هي عمر التجربة الديمقراطية الحالية في المجتمع المصري سمعنا عن أسماء كثيرة بعضها اعتقل جزاء مواقفه السياسية وبعضها شرد ونقل من عمله وبعضه طرد من حزبه فأسس حزباً‮ ‬جديداً‮ ‬سمعنا عن أسماء مصرية كثيرة كتبت بمنتهي الاهتمام والدأب الإصرار عن أحوال البلد في الاقتصاد والسياسة بالانحياز للحكومة وتبرير مواقفها أو برفض سياساتها ومواقفها سمعنا عن أسماء مصرية كثيرة ممن نسميهم النخب المصرية القيادات السياسية الفكرية الحقوقية مفكرين وكتابًا وسياسيين ومحامين وقضاة وصحفيين وأطباء ومهندسين جميعهم مهتمون بحال الوطن ومشاكله ومواطنيه لهم وجهات نظر مختلفة متباينة متناقضة في كثير من الأحيان لكن الاهتمام بالشأن العام وحال الوطن ومواطنيه يجمع بينهم يكتبون ويناقشون ويتنقدون ويعارضون يتعرضون لمتاعب وصعوبات وانتقادات وأحيانا يتعرضون لاضطهاد وتعسف واقعي وقانوني وأحيانا حبس واعتقال وأحكام بالسجن بسبب آرائهم ومواقفهم السياسية وسط كل هذا الصخب وتلك الحيوية وهؤلاء الأسماء وسط الصراع والاختلاف والانتقاد والمعارضة والتأييد لم نسمع يوما عن الدكتور محمد البرادعي باعتباره مهتما بالشأن العام المصري ولا أحوال الوطن ولا ما يحدث فيه ولا حياة مواطنيه لم يقدم لنا نفسه كمصري مهتم بالسياسة معني بأحوالها وتغييرها‮!‬
مرشح بين‮ ‬يوم وليلة
فكيف إذن يأتي بين يوم وليلة ويفكر أو يزين له البعض أن يترشح للمقعد الرئاسي؟ هو شخصية مصرية مرموقة نعم لكنه لا علاقة له بالسياسة وإن فكر الآن وهو يتقاعد من عمله في وكالة الطاقة النووية وعلي وشك أن يتم السبعين من عمره أطال الله عمره ومنحه عظيم الصحة أن يهتم بالسياسة ويشتغل بها فليس معقولاً‮ ‬أن يقفز فوق الواقع السياسي المصري بكل تفاصيله ويهبط علي المجتمع المصري من السماء السابعة ويقدم نفسه للمقعد الرئاسي‮ ‬خبط لزق‮ ‬لا يمكن أن تكون خبرته السياسية وإلمامه بأحوال البلد ومشاكله وواقعه وأزمات شعبه وتفاصيل حياته اليومية مثل أي من هؤلاء السياسيين بجميع ألوانهم السياسية ممن عاشوا التجربة الواقعية بكل أحزانها وأفراحها بكل واقعها المرير هم لم يتعرفوا علي البلد من تقارير الأمم المتحدة ولا من زيارات عابرة لبعض المناطق العشوائية ولا من أفلام السينما هم‮ ‬أيديهم في الطين‮ ‬مغروسون فيه حتي النخاع ومنذ عشرات السنوات خاضوا معاركه سياسية مختلفة انتخابية ونقابية ومهنية وحزبية داخلية في نفس الوقت الذي كان فيه الدكتور البرادعي يؤدي عمله بمنتهي البراعة والكفاءة في وكالة الطاقة النووية‮.‬
الفرقاء السياسيون‮ ‬
كيف فكر الدكتور محمد البرادعي في الأمر؟ من الذي قال له إنه‮ ‬أمل مصر في التغيير‮ ‬والمصريون لا يعرفونه إلا باعتباره مديراً‮ ‬لوكالة الطاقة النووية؟ وهنا لا أتحدث عن النخب والساسة ولا مرتادي منتديات ومقاهي والمقرات الحزبية بوسط البلد ولا أعضاء الأحزاب السياسية سرية كانت أو علنية بل أتحدث عن ثمانين مليون مصري لم يشرف أغلبيتهم للأسف بمعرفة الدكتور محمد البرادعي رغم حصوله علي جائزة نوبل للسلام كيف فكر الدكتور محمد البرادعي أن الفرقاء السياسيين المجتمعين حوله علي اختلافاتهم السياسية وتناقضاتهم حسبما ظهروا في الصور التي التقطت يوم اجتماعهم معه سيحملونه فوق رءوسهم جميعا للمقعد الرئاسي رغم أن منهم من أعلن بوضوح نيته للترشح للانتخابات الرئاسية كأيمن نور عن حزب الغد وحمدين صباحي عن حزب الكرامة تحت التأسيس كيف صدق الدكتور محمد البرادعي أن الفرقاء السياسيين المشتغلين بالسياسة في مصر لسنوات تزيد علي الربع قرن ولم يفلحوا لأسباب كثيرة لا مجال للخوض فيها لا في تغيير الدستور ولا تغيير أحكامه ولا تعديل نص المادتين‮ ‬76‮ ‬و77‮ ‬كيف صدق الدكتور محمد البرادعي أنه سيفلح هو معهم لإجراء‮ ‬التعديلات والتغييرات المطلوبة لمزيد من الديمقراطية حسب تعبيره؟ كيف فكر الدكتور البرادعي في الأمر؟ يطالب بتعديل الدستور ويطالبه الفرقاء السياسيون حوله بالنزول للشارع ويتعهدون بجمع توكيلات من الشارع المصري تمنحه الحق في تعديل الدستور والترشح للمقعد الرئاسي‮.‬
توكيلات الأحزاب وتوكيلات البرادعي
‬إذا كانوا يملكون تلك القدرة فلماذا لم يجمعوا التوكيلات لأنفسهم وهم المشتغلون بالسياسة منذ سنوات بعيدة وأعضاء بأحزاب سرية أو علنية تمارس العمل السياسي منذ سنوات طويلة،‮ ‬إذ كانوا‮ ‬يطالبوه بالنزول للشارع فلماذا لم‮ ‬ينزلوا هم وما هو تأثيرهم علي الشارع وقت نزلوا وطرحوا أفكارهم وآراءهم؟ كيف‮ ‬يعتبر الدكتور محمد البرادعي نفسه زعيما سياسيا مصريا؟ هل عمله السابق في وكالة الطاقة النووية وجائزة نوبل التي شرفت به،‮ ‬هي مسوغات زعامته السياسية للشارع المصري حسبما‮ ‬يري؟ وإذا كان‮ ‬يري نفسه مواطنًا مصريا‮ ‬عاديا‮ ‬اهتم بالسياسة بعد التفاعل من العمل المهني وبعد الهجرة المؤقتة الطويلة،‮ ‬فهل‮ ‬يصلح أي مواطن عادي لم‮ ‬يشتغل بالسياسة‮ ‬يومًا للجلوس علي المقعد الرئاسي وحكم مصر؟‮ ‬
أنا المواطنة الغلبانة‮ ‬
ما هو البرنامج السياسي للدكتور محمد البرادعي الذي سيطرحه علي المصريين لإقناعهم بانتخابه للمقعد الرئاسي؟ وهل سيوافق جميع الفرقاء السياسيين ناصريين وإخوانًا مسلمين وشيوعيين وأحزاب الوفد والجبهة الديمقراطية والغد والكرامة علي ذلك البرنامج معا في آن واحد؟ وحتي إذا وافقوا جميعًا رغم اختلافهم‮ ‬الأيديولوجي والعقائدي والسياسي علي ذلك البرنامج باعتباره‮ ‬برنامج حد أدني‮ ‬بلغة السياسة متجاوزين عن كل خلافاتهم واختلافاتهم في الرؤي والتصورات وشكل المستقبل،‮ ‬ما هو البرنامج الذي سيطرحه لي أنا المواطنة المصرية الغلبانة حاملة البطاقة الانتخابية لأمنحه صوتي‮.‬
جنرال بلا جنود
ألا‮ ‬يتعين عليه وقبل أن‮ ‬يطالب الناس بعمل توكيلات لتأييده أن‮ ‬يشرح لهم برنامجه المستقبلي للوطن وكيفية تنفيذه والآليات التي‮ ‬يعتمد عليها لتحقيق ذلك البرنامج؟ ومن هم جنوده ومعاونوه الذي سيدعمونه لتحقيق ذلك البرنامج‮! ‬هل الدكتور محمد البرادعي جنرال بلا جنود،‮ ‬اصطفت له الجنود التي لا‮ ‬يعرفها من الفرقاء السياسيين المختلفين المتناقضين فسيعتمد عليهم في معركة هامة ومصيرية ليست في حياته بل في حياة الوطن سيعتمد عليهم رغم اختلافاتهم وتناقضاتهم الظاهرة والخفية كقنبلة موقوتة قد تنفجر في أي لحظة في وجهه ووجه الوطن؟ هل،‮ ‬وهذا سؤال من حقي أن أسأله،‮ ‬هل قرر الفرقاء السياسيون بكل اختلافاتهم الأيديولوجية والفكرية والسياسية والاقتصادية،‮ ‬أن‮ ‬يصطفوا خلف الدكتور محمد البرادعي أو اللواء محمد نجيب كواجهة مرموقة محل احترام للمصريين جميعًا فإذا ما انتهت مأموريته التي استدعوه من أجلها خلعوه من مكانه وحددوا إقامته وأفصحوا عن وجوههم الحقيقية واختلافاتهم العميقة؟
أسئلة تبحث عن إجابات‮ ‬
لست أؤيد الحزب الوطني واختلف معه تمامًا ولم انتخب في حياتي أي مرشح له في أي موقع ولن‮ ‬يحدث،‮ ‬لكني حتي الآن لن أؤيد الدكتور محمد البرادعي في هذه المعركة السياسية الكبري لأني لا أعرفه ولأنه لم‮ ‬يقدم لي برنامجًا سياسيا سيسعي لتحقيقه وقت نجاحه في الانتخابات ولأني عندي عشرات الأسئلة المفتوحة التي لم‮ ‬يمنحني بعد إجاباتها‮! ‬أنا لا أسعي للتغيير وفقط بل أسعي للتغيير للأفضل وأحلم بالوطن له شكل محدد،‮ ‬ولن أؤيد إلا من‮ ‬يؤمن بحلمي وكافة تفاصيله وشكله السياسي الاقتصادي الاجتماعي ويعدني أن‮ ‬يحقق لي هذا الحلم حين‮ ‬ينجح في الانتخابات التي سأمنحه فيها صوتي الغالي‮! ‬نعم لي عشرات بل مئات الملحوظات والانتقادات للمعارضة السياسية المصرية بجميع فصائلها لكني انحني لهم جميعًا احترامًا فهم منحوا البلد وقتهم وجهدهم وعرقهم وأحلامهم وساهموا بكل مجهوداتهم في صناعة المستقبل الذي نحلم به جميعًا حتي لو‮ ‬تأخر كثيرًا‮!‬
مقالتي الاسبوعيه - نشرت في جريده روز اليوسف اليوميه 11 مارس 2010
http://www.rosaonline.net/Daily/News.asp?id=48905

الخميس، 4 مارس 2010

الاحلام تتحقق احيانا ........!!!!



إنه يوم خاص جداً‮.. ‬ذلك اليوم‮ ‬الذي دعوت فيه مئات الأصدقاء لحضور حفل توقيع كتبي‮ ‬مدونات أميرة بهي الدين‮‬،‮ ‬دعوت أصدقاء قدامي وأصدقاء لم أرهم منذ سنوات بعيدة وأصدقاء اتواصل معهم يومياً،‮ ‬أصدقاء منذ عشرات السنين وأصدقاء منذ شهور وأسابيع قليلة،‮ ‬أصدقاء عرفتهم وعشت معهم وشاركتهم تجارب حياتية كثيرة،‮ ‬

وأصدقاء عرفتهم وأحببتهم‮ ‬من العالم‮ ‬الافتراضي ومن خلف شاشات الكمبيوتر،‮ ‬لكن جميعهم يحتلون قلبي ومعزتهم تسكنه،‮ ‬أصدقاء متناقضي الأفكار والآراء لكنهم جميعاً‮ ‬أصدقائي،‮ ‬يؤكدون لي صحة مقولتي التي أرددها دائماً‮ ‬أنا كل المتناقضات‮‬،‮ ‬نعم فهؤلاء الأصدقاء المتناقضون‮ ‬المختلفون تربطني بكل منهم علي اختلافهم‮ ‬وشائج قوية وعلاقة عميقة وفهم واحترام متبادل،‮ ‬بيني وبين بعضهم تاريخ قديم،‮

‬وبيني وبين بعضهم حاضر نعيشه،‮ ‬أصدقاء زملاء عمل معارف،‮ ‬يساريون يمنيون اناس لا تهتم بالسياسة إطلاقاً،‮ ‬شباب في عمر ابنتي،‮ ‬كبار يقتربون من سن أبي،‮ ‬رجال إخوة كأن صداقتنا العميقة دماء تجري في عروقنا،‮ ‬زملاء الجامعة والمحامون والناشطون‮ ‬الحقوقيون،‮ ‬بيننا تاريخ طويل أصدقاء أحباء احتفلوا‮ ‬معي بكل مناسباتي العائلية والخاصة،‮ ‬نساء حبيبات بعضهن يعرفنني أكثر مما أعرف نفسي،‮ ‬وبعضهن يعرف مني وجهاً‮ ‬واحداً‮ ‬لا يتصور وجود‮ ‬غيره،‮ ‬بعضهن يعرفن أميرة المحامية وبعضهن يعرفن أميرة الجارة وبعضهن يعرفن أميرة الصديقة وبعضهن عملن معي وشاركنني رحلة العمل المهني الشاق،‮ ‬وبعضهن قابلنني في انتخابات نادي الصيد وبعضهن شاركنني المؤتمرات النسوية،‮ ‬بعضهن جلسن معي في حجرة المحامين ننتظر قضايانا،‮ ‬دعوت الجميع بمنتهي الحب‮.. ‬أتمناهم يقبلوا دعوتي ويزينوا بوجودهم تلك الليلة التي كنت أنتظرها حلما لا أتصور أنه سيتحقق،‮ ‬دعوت الجميع بمنتهي العشم اتمناهم يستجيبوا لدعوتي،‮ ‬فأصدق أكثر مما أصدق أن الحب لا يغادر القلوب وأن التاريخ لا يمحي وأن الدم أبداً‮ ‬أبدا لا يتحول ماء بارداً‮ ‬وأن الصداقة الحقة هي كنز العمر‮!!‬

حب الناس


إنه يوم خاص جداً‮.. ‬يوم خاص جداً‮.. ‬من الأيام القليلة التي عشتها سعيدة بلا منغص،‮ ‬بلا شائبة‮ ‬غضب أو حزن‮.. ‬يوم أحسست فيه أن الحياة تمنحني في لحظة ما كل سعادتها أحسست أن الحياة تهدهدني،‮ ‬تحتويني،‮ ‬تأخذني في حضنها وتحتويني يوم أحسست فيه أن الله سبحانه وتعالي يكلمني،‮ ‬يرسل لي رسالة يقول لي أنه راض عني ويحبني فلولا رضاؤه ومحبته ما أحبني الناس فحب الناس نعمة إلهية يهبها الخالق العظيم لحكم لا نفهمها،‮ ‬وكما قال المثل الشعبي المصري الجميل‮ ‬اللي ربنا يحبه يحبب فيه خلقه‮ ‬دوي هذا المثل في أذني في ذلك اليوم الخاص،‮ ‬دوي في أذني وقت رأيت أصدقائي وأحبائي ملتفين حولي تلمع عيونهم بالفرحة ويلون الحب وجههم فتسطع كأقمار الليل في الظلام الموحش البهيم،‮ ‬دوي ذلك المثل الشعبي في أذني حين استجاب لدعوتي وندائي عشرات بل مائتان ويزيد من الأصدقاء الأحباء الأعزاء الذين تمتد بيني وبينهم حبال الوصل والحب،‮ ‬ربما بعدنا ربما فترت العلاقات ربما انشغلنا عن بعضنا البعض ببلادة كريهة،‮ ‬لكن الحب بقي وقود القلب يدفئه وحين دعوتهم جاءوا يحملون قلوبهم علي أكفهم تنبض بصدق مشاعرهم وحقيقتها المتوارية‮!! ‬يوم حمل لي رسالة حب استقبلتها وفهمت كل معانيها وفرحت بها وشكرت ربي علي فيض نعمه‮!!‬

يوم خاص جداً‮ ‬كنت أنتظره في منتهي التوتر‮.. ‬هل ستأتي الاحتفالية مثلما أريد‮ ‬حميمة كما أطمح،‮ ‬دافئة كما أحلم،‮ ‬أم ستأتي باردة كروادها الذين سيأتون للحفلة علي سبيل المجاملة أو الفضول بلا قلوب،‮ ‬كنت انتظر اليوم مرتبكة كأني طفلة صغيرة دعت أبويها لحفل المدرسة الذي ستغني فيه لأول مرة،‮ ‬تتمني تسعدهم‮.. ‬تتمني أن يفخروا بها فيمنحوها نظرة الرضاء والإعجاب فتحلق فوق السحاب من السعادة ولا تهبط أبداً‮ ‬كنت أنتظر اليوم خائفة ألا تمنحني الحياة وجهها السعيد في يوم جميل كنت أتمني فيه وبالتحديد أجمل وجوهها‮!!‬

المدونات

وتلك الليلة بدأت منذ سنتين سابقتين حين بدأت‮ ‬أدون‮ ‬علي الإنترنت كنت قبلها لا أفهم في الإنترنت،‮ ‬ولا أعرف كيف أتعامل معها وأعتبره عالماً‮ ‬غريباً‮ ‬ومخيفاً‮ ‬ثم يوما بعد يوم قررت ولوج ذلك العالم الغريب‮ ‬غاضبة من جهلي بكيفية التعامل في ذلك العالم،‮ ‬والجميع حولي صغاراً‮ ‬وكباراً‮ ‬يعيشون فيه‮.. ‬دخلت عالم الإنترنت اتخبط‮.. ‬أحاول أكتشف آلياته وقوانين التعامل فيه ودخلت عالم الفيس بوك‮ ‬غريبة لا أعرف أحداً،‮ ‬ويوما بعد يوم اكتسبت صداقات ببشر لا أعرفهم اتقبلهم كما يقدمون نفسهم،‮ ‬بصور قد تكون حقيقية وقد تكون مزيفة،‮ ‬في البداية كانت لعبة،‮ ‬كأننا مجموعة أطفال،‮ ‬نهدي بعضنا البعض اللعب والعرائس والورود والدباديب‮ ‬،وسرعان ما اكتشفت أن ذلك العالم يضم مجموعات مختلفة،‮ ‬يجمع بين كل مجموعة وحدة الفكرة أو الهدف،‮ ‬وحين تنضم لمجموعة ما تتعرف بغير جهد علي الناشطين من أعضائها،‮ ‬وبعد الفيس بوك،‮ ‬اكتشفت عالم التدوين،‮ ‬انه يوجد علي الإنترنت صفحات متاحة يمكنك اقتناء واحدة منها تكون صفحتك الخاصة،‮ ‬تمنحها اسماً‮ ‬وعنواناً‮ ‬وشكلاً‮ ‬وألواناً‮ ‬وتكتب فيها ما تحبه وتنشره في الفضاء ضمن صفحات التدوين الكثيرة،‮ ‬فيعثر علي كلماتك قارئ ما يقرؤها ربما يحبها ربما يكرهها ربما يشفق عليك من النشر وحيدا فيهديك تعليقا علي ما كتبته‮.. ‬ودارت العجلة‮!!‬

وخلال السنتين الماضيتين أنشأت علي الإنترنت أربع مدونات‮: ‬الأولي منحتها عنوان‮ ‬ياما دقت علي الرأس طبول‮ ‬أقص فيها تجاربي وأحاسيسي وانفعالاتي وآرائي في موضوعات مختلفة حسبما يتراءي لي،‮ ‬الثانية منحتها عنوان‮ ‬ضل راجل ولا ضل حيطة‮ ‬وقررت أخصص صفحاتها لنشر دراساتي وأبحاثي التي انشغلت بها قرابة خمسة وعشرين عاما عن التمييز ضد النساء والمساواة القانونية بين النساء والرجال وعن التغييرات التشريعية والواقعية التي تلحق بمجتمعنا وتخص النساء وتؤثر علي حياتهن ووجودهن،‮ ‬الثالثة منحتها عنوان‮ ‬قوس قزح ملون‮ ‬وفيها أعدت نشر جميع مقالاتي التي كتبتها ونشرتها في هذه الجريدة العظيمة جريدة‮ ‬روزاليوسف‮ ‬التي أنتمي لها وأعتبر نفسي واحدة من كتابها،‮ ‬الرابعة منحتها عنوان‮ ‬الشوارع حواديت‮ ‬وفيها عشت تجربة الحكي والسرد وقص الحواديت،‮ ‬ولم اكتف بإنشاء تلك المدونات والنشر فيها بشكل دوري منتظم،‮ ‬بل قررت أعرض بعض ما أنشره في تلك المدونات علي أصدقائي في الفيس بوك وأدعوهم بإلحاح رهيب لزيارة المدونات ومطالعة موضوعاتها وإبداء آرائهم فيها‮..

‬وفعلا دارت العجلة،‮ ‬أنشر في المدونات،‮ ‬الأصدقاء في الفيس بوك وقراء المدونات يقرءون ويطالعون ما أكتب ويعلقوا عليه ويقولون آراءهم‮.. ‬وافقت بعد وقت لم أحسب مدته علي حقيقة واقعة،‮ ‬أنني كتبت ونشرت عشرات بل مئات المواضيع في تلك المدونات،‮ ‬وألح علي الأصدقاء لنشر تلك المدونات في كتب،‮ ‬وصادف إلحاحهم عندي هوي جامحاً‮ ‬يتوق لرؤية اسمي فوق تلك الكتب باعتبارها بنات أفكاري فأقدم نفسي للحياة وللمجتمع،‮ ‬ليس فقط باعتباري محامية ولا ناشطة حقوقية،‮ ‬بل باعتباري كاتبة،‮ ‬ذلك اللقب العزيز الذي منحته لي جريدة‮ ‬روزاليوسف‮ ‬وقت فتحت صفحة الرأي فيها لمقالاتي كل أسبوع،‮ ‬فقبل ذلك النشر في جريدة‮ ‬روزاليوسف‮ ‬كنت إنسانة أتصور نفسي أجيد الكتابة وأحلم باسمي مطبوعا فوق آرائي وأفكاري،‮ ‬لكنه كان مجرد حلم لا أثق في أنه سيتحقق‮!!‬

قررت نشر المدونات‮!! ‬قرار حاسم مخيف،‮ ‬اتخذته ليس فقط لأن أصدقائي الحوا والحوا يتشاجرون معي يدفعونني لنشر كلماتي وأفكاري باعتبار أن تركها علي الإنترنت دون توثيق ورقي إهدار مخيف،‮ ‬فقد يحدث ما لا نعرفه فنستيقظ يوما نجد أفكارنا قد محيت من فوق صفحات الفضاء الإنترنتي،‮ ‬فتكون كارثة لا يعرف أحد مداها ولا فداحتها،‮ ‬بل اتخذت ذلك القرار،‮ ‬لأنني طمعت في قراء أكثر تنوعا من جمهور ومرتادي الإنترنت‮!! ‬قرار اتخذته وأنا ارتعش خوفا،‮ ‬لقد كنت أكتب بمنتهي الحرية والانطلاق،‮ ‬لا أبحث عن ناشر،‮ ‬ولا أفكر في مزاج القارئ وحالته النفسية،‮ ‬أكتب بمنتهي الحرية‮ ‬والانطلاق لأن الكتابة تسعدني من ناحية ولأنها تحتلني بحروفها وأفكارها ومعانيها من ناحية أخري،‮ ‬كنت أكتب لأعيش سعيدة وأنشر في الفضاء،‮ ‬لكن تحويل ذلك كله لكتب مطبوعة تتداولها الأيدي ويطالعها القراء ويفحصها النقاد والمتخصصون أمر مرعب فأنا كتبت كما يعن لي سوآء من حيث المضمون،أو من حيث الأفكار أو طريقة العرض،‮ ‬لكن الكتب المطبوعة لها قواعدها الخاصة التي بالطبع لم ألتزم بها،‮ ‬سأنشر المدونات وأنا مرعوبة وكدت اتراجع وكفي الله المؤمنين شر القتال‮‬،‮ ‬ثم قررت نشرها علي حالها كما هي بكل موضوعاتها وأفكارها وطريقة كتابتها وهي يعني موتة ولا أكتر‮!!.‬

وقد تحمس لرغبتي دار المحروسة للنشر الصديق فريد زهران،‮ ‬تحمس لرغبتي في نشر مدوناتي كما هي،‮ ‬باعتبار الكتابة فيها جنساً‮ ‬جديداً‮ ‬من الكتابة والأدب،‮ ‬له مواصفات خاصة تختلف عن الكتابة المطبوعة وقواعدها المستقرة،‮ ‬وانتهينا بعد مداولات كثيرة لنشر المدونات الأربع في سبعة كتب تحمل جميعها عنوان‮ ‬مدونات أميرة بهي الدين‮‬،‮ ‬سبعة كتب وأربع مدونات،‮ ‬تضم بين أغلفتها مشوار حياتي باختلاف تجاربه،‮ ‬نعم أشفق فريد زهران علي القارئ الذي سيجد بين يديه سبعة كتب دفعة واحدة لكاتبة لا يعرفها الكثيرون،‮ ‬وكدت أتراجع عن فكرة نشر السبعة كتب مرة واحدة،‮ ‬وانشرها تباعا،‮ ‬حتي يعرفني القارئ ويعتاد علي حروفي وكلماتي وينتبه لمذاقها الخاص وهي قادمة إليه من فضاء الإنترنت بفطرتها بعفويتها بتمردها،‮ ‬تختلف عن الكلمات المطبوعة الرصينة التي اعتاد علي قراءتها،‮ ‬لكنني في الآخر انحزت لنشر السبعة كتب دفعة واحدة علي معرض الكتاب يناير‮ ‬2010،‮ ‬كأني أقول للقارئ هذا أنا،‮ ‬أفكاري آرائي حروفي كلماتي،‮ ‬جميعا تحت بصرك باختلاف أشكالها،‮ ‬حواديت،‮ ‬دراسات،‮ ‬مقالات،‮ ‬خواطر وأفكار وأحاسيس،‮ ‬هذا أنا،‮ ‬هذه الكتب تحكي مشوارا عشته،‮ ‬تقص عليك تفاصيل حياة ارهقتني وأرهقتها،‮ ‬وأنت لك مطلق الحرية،‮ ‬تقرؤها بالطريقة والكيفية التي تحبها‮!!‬

قواعد النشر

كنت متحمسة لنشر المدونات والكتب‮.. ‬أخفي وجلا دفينا،‮ ‬متحمسة للنشر يحيطني أصدقاء كثر يفوق حماسهم حماسي للنشر،‮ ‬نساء يرونني تمردت علي جدران الصمت وانتصرت عليها وتكلمت ويتمنين‮ ‬أن يتكلم مثلي،‮ ‬شباب يراني أحقق بعض أحلامي ويتمني يحقق أحلامه مثلي،‮ ‬كثيرون يرون حروفي وكلماتي انتصارا علي هزيمة تصوروا،‮ ‬أنا أمسكت بتلابيبي وكسرتني،‮ ‬فإذا بي أخرج من تحت الرماد أقبض علي كتب سبعة تصرخ أحب الحياة وأحب الكتابة وأحبكم جميعًا‮! ‬طبعًا عانيت الأمرين لنشر تلك الكتب السبعة،‮ ‬أكتب إهداءات لسبعة كتب،‮ ‬أكتب مقدمات لسبعة كتب،‮ ‬ألح علي الأصدقاء لقراءة الكتب وكتابة مقدمات لها،‮ ‬أبحث عن عبارات جذابة أنشرها علي الأغلفة الخلفية تشد بصر واهتمام القارئ وتحفزه لشراء الكتاب ومعرفة ما الذي يحتويه،‮ ‬أفكر في شكل الأغلفة،‮ ‬التي أريدها مبهجة ساطعة جميلة حميمة،‮ ‬أريدها تكشف حالتي النفسية وقت أكتب فأفرح فأسعد‮.. ‬فأحلق في السماء‮! ‬وفي النهاية،‮ ‬وبعد جهد كثير‮ - ‬وعصبية وتوتر واضطراب‮ - ‬تحمله الناشر والمشرف الفني علي دار النشر والكثير من الأصدقاء،‮ ‬صدرت الكتب السبعة في شكل فني جميل لم أكن أحلم بأجمل منه‮!‬

واستسلمت نسخا من كتبي،‮ ‬أضعها أمامي وأتأمل أغلفتها واسمي عليها،‮ ‬أتأمل الألوان وشكل الكتابة والرسومات فابتسم فرحة لا أصدق ما أراه بعيني،‮ ‬افتح الكتب وأجري بعيني فوق صفحاتها أقرأ الإهداء والشكر والمقدمة وأبتسم فرحة لا أصدق ما أمسكه بيدي،‮ ‬وأخذت أوزع في نسخ الكتب للأصدقاء والمتخصصين في الثقافة ومسئولي الصفحات الأدبية،‮ ‬أوزعها ودقات قلبي تتسارع خوفا،‮ ‬انتظر إهمالاً‮ ‬يرعبني فتبقي الكتب فوق الأرفف وفوق المكاتب تتراكم عليها الأتربة ولا تجد من ينظر لها أو فيها بعين حانية،‮ ‬أوزعها ودقات قلبي تتسارع فزعا،‮ ‬انتظر أنصالا تمزقني ونفورًا من كلماتي التي أحبها يخيفني،‮ ‬لكني لا أكف عن توزيعها ولا أفقد الأمل في قراءتها وأطمح في كلمة تقدير أسمعها من هنا أو هناك‮! ‬وبعد كل الرعب والخوف،‮ ‬أعود للكتب أقبض عليها،‮ ‬أكاد آخذها في حضني وأنام أحلم بالفرحة،‮ ‬لماذا لا أفرح،‮ ‬وقد حولت أهم أحلامي لحقيقة واقعة أعيشها بمنتهي السعادة‮!‬

وكان لابد من حفلة توقيع للكتب،‮ ‬حفلة ندعو فيها الأصدقاء والأحباء لتدشين نشر تلك الكتب والإعلان عن وجودها في المكتبات،‮ ‬وتحمست للحفل وازداد خوفي،‮ ‬سأدعو الكثيرين لكن من سيحضر؟ سأدعو الأعزاء للحديث عن الكتب ومضمونها لكن من سيفي بوعده ويتكلم؟ وانشغلت بتفاصيل الحفل وكيفية إخراجه للضيوف،‮ ‬انشغلت ومعي فريق من المخلصين،‮ ‬جميعنا نعمل لهدف واحد،‮ ‬حفلة توقيع حميمة يحضرها الأصدقاء والأحباء بمنتهي الحب للكاتبة وبمنتهي الفرح لصدور الكتب ومنتهي السعادة لتحقيق الأحلام‮.‬

الأحلام تتحقق


واقتربت الساعة من السادسة،‮ ‬يفتح باب المصعد في الدور الرابع بنقابة الصحفيين ويخرج أحد الأصدقاء فابتسم سعيدة كنت أظنه منشغلا لن يأتي،‮ ‬وخلفه صديقة لم أرها منذ سنوات فلا نتعاتب بل نتعانق بمنتهي الحب وأسمع كلمات مباركتها فأصدق كل حرف فيها وأكاد أموت خجلا،‮ ‬ويتوالي وصول الأصدقاء الأحباء،‮ ‬تزين وجوههم الابتسامة وتلون ملامحهم الفرحة وتكاد قلوبنا تقفز من بين الضلوع تتعانق وتدوي همسات المباركة وأحسني في حلم جميل يسرقني من العالم الموحش يخطفني لرحابة بهجته يأسرني في ألوانه الساطعة الدافئة الحميمة الصادقة،‮

‬و‮.... ‬حين أجلس علي المنصة بجواري الأصدقاء والأحباء للحديث عن الكتب التي ألفتها استشعر فخرًا وخجلا،‮ ‬لأن هؤلاء الضيوف الأعزاء منحوني وقتهم واهتمامهم وحبهم وجلسوا بمنتهي الصدق والتلقائية يتحدثون عن كاتبه وكتب تستحق الحديث عنها،‮ ‬وحين ألمح وجه أبي جالسا وسط الضيوف في الصف الأول أحس الحياة جميلة،‮ ‬فما أجمله إحساساً‮ ‬حين تستطيع أن تمنح أباك إحساسًا بالسعادة وحين تقدم ابنتي الكبري الحفلة بكلماتي التي انتقتها من بين سطوري وأسمع صوتها موسيقيا عذبا فرحا،‮ ‬أحس الحياة حنونة وحين ألمح ابنتي الصغري تجلس في مقعدها مبتسمة سعيدة لأن الضيوف يصفقون لأمها تحية حب،‮ ‬أحس الحياة مبهجة فما أجمله إحساس حين امنح ابنتاي أجمل ما في العمر وحصاده المبهج إحساسًا بالفخر بأمهما،‮ ‬وحين ألمح الفرحة تلون وجوه المحامين والعاملين معي بالمكتب أحس الحياة منصفة،‮ ‬فما أجمله إحساس حين أمنح الرجال العاملين معي إحساسا بالزهو لأن أستاذتهم المنشغلة بالقانون تسللت خلف ظهورهم ووسط انشغالاتها وكتبت كل تلك الكتب بتنوع مواضيعها فأظهرت لهم وجها آخرا لم يكونوا يعرفونه عن الأستاذة التي عاشوا معها سنين طوالاً،‮ ‬وحين ألمح النظرات الفرحة والابتسامات الصادقة تزركش وجوه كل الضيوف الجالسين أمامي ينصتون لحديث الضيوف وحديثي عن كتبي السبعة تلتهب وجنتاتي خجلا،‮ ‬فأنا لا استحق كل تلك الكلمات ولا كل تلك المشاعر،‮ ‬فكل ما فعلته أني كتبت ما أحببت كتابته وما أسعدني‮... ‬وفي نهاية الليلة،‮ ‬أحلق في السماء منتشية سعيدة،‮ ‬فقد أثبتت لي الحياة كما كنت أؤمن دائمًا بأن بعض الأحلام يتحقق‮!‬

التجربة الإنسانية


الفقرة الأخيرة‮ - ‬لا أروج للكتب التي أصدرتها،‮ ‬بل أقص عليكم تجربتي الإنسانية السعيدة،‮ ‬فأنتم قراء الجريدة وقراء مقالاتي شركائي في الفرح،‮ ‬وكنت أتمني أدعو كلاً‮ ‬منكم شخصيا لحضور ذلك الحفل،‮ ‬فأنتم أول من قرأ لي وأول من شجعني وأول من ساندني وأول من ساعد في تحقيق أحلامي‮.‬

الجملة الأخيرة‮ - ‬لا يفهم الكثيرون معني وقيمة الكتابة في‮ ‬روزاليوسف‮‬،‮ ‬لأنهم لا يؤمنون بحق بالديمقراطية واحترام الآخر وممارسة الاختلاف في الأفكار والآراء بطريقة ديمقراطية حقيقية،‮ ‬لكنني أعتز بجريدة‮ ‬روزاليوسف‮ ‬التي منحتني فرصة تحقق أحلامي ومنحتني لقب‮ ‬كاتبة‮ ‬وعلمتني أن الديمقراطية واحترام الآخر ليس كلمات نتشدق بها،‮ ‬بل موقفاً‮ ‬عملياً‮ ‬نعيشه واختباراً‮ ‬متجدداً‮ ‬يتعين علينا دائمًا خوضه والنجاح فيه‮... ‬حين أصف نفسي بأني كاتبة في جريدة‮ ‬روزاليوسف‮ ‬أحس منتهي الفخر ومنتهي الامتنان للحياة التي منحتني أكثر مما استحق‮!‬

السطر الأخير‮ - ‬في مواجهة فيض الحب الذي اجتاحني من أصدقائي وأحبائي يوم حفلة توقيع كتبي لا أملك إلا أن أشكر ربي علي كل نعمه‮.‬

الكلمة الأخيرة‮ - ‬الأصدقاء هم كنز العمر وأغلي ما فيه،‮ ‬كلمة أعرفها جيدا،‮ ‬وأصدقها جدًا ويزداد إيماني بها يومًا بعد يوم‮.‬

نشرت بجريده روز اليوسف اليوميه الخميس 4 مارس 2010 http://www.rosaonline.net/Daily/News.asp?id=47615