الاثنين، 27 سبتمبر 2010

ذات الرداء الاحمر .... والنسر الامريكي !!!



استفزني بشدة، مشروع القانون المقدم للكونجرس الأمريكي بشأن مصر والديمقراطية!!
استفزني لأن اهتمام أمريكا بالديمقراطية في مصر باعتبارها (ماما أمريكا) وقلبها (رهيف) و(حنينة) ومشغولة بحال المصريين وحرياتهم المدنية أمر يتناقض تماما مع (أمريكا) التي اعرفها والتي تمارس السياسة بمنطق مكيافيللي وتكيل بمكيالين فتري القشة في عين مصر ولا تري الشجرة في سجن أبوغريب والمجندات الأمريكيات في العراق، وتري أن مصر لا تحترم حقوق الإنسان بالقدر الأمريكي الكافي في نفس الوقت تفقء عينها عن قدر الاحترام الإسرائيلي الحنون لحقوق الإنسان الفلسطيني في الأراضي المحتلة والمعتقلات الإسرائيلية، وتري أن مصر تطبق قانون الطوارئ المشبوه ولا تري القوانين والتدابير الإجرائية المخالفة لجميع المواثيق الدولية التي اتخذتها أمريكا شخصيا بعد 11 سبتمبر وما اقترفة في حق الأجانب والمسلمين والمهاجرين ونزلاء الفندق الأمريكي الجميل الشهير المسمي بسجن جوانتنامو....

استفزني الأمر لحد نشط ذاكرتي بحثا عن معني أمريكا فيها، فتذكرت القنبلة النووية علي هيروشيما وحرب فيتنام والدعم المطلق لإسرائيل في مواجهة العرب والشعب الفلسطيني بجميع الأشكال ابتداء من الدعم العسكري والأسلحة والصواريخ والنابالم والدعم المالي ومليارات الدولارات مرورا باستخدام حق الفيتو عشرات المرات في مجلس الأمن ضد العرب ولصالح إسرائيل وتذكرت الدبابات الأمريكية التي حررت العراق وفكك اوصالها فحولتها من دولة عربية قوية لكانتونات طائفية وحروب أهلية وعنف مستمر ..

استفزني بشدة أن اثنين من السيناتورز الأمريكيين أحدهما ديمقراطي والآخر جمهوري، توحدا معا بمنتهي الرقة والطيبة دفاعا عن الحريات المدنية والديمقراطية في مصر التي تؤرقهما وتحرمهما النوم المريح الهادئ لحد يتناسي الصديقين اللدودين وحزبيهما المتنافرين كل ما بينهما من خلافات وصراعات أمريكية - أمريكية ويحررا مشروع قانون يتقدما به للكونجرس لإقراره وصولا لنصح مصر باحترام حقوق الإنسان والحريات المدنية وأنها (تبقي كويسة ولطيفة وتسمع الكلام) وإلا ستحرمها أمريكا من الدعم و(تدخلها أوضة الفيران مع الأولاد الوحشين)!!!!

استفزني مشروع القانون الأمريكي (الحنون) فبحثت عن صانعيه وصائغيه فقالت لي الشبكة العنكبوتية الإنترنت إنهما السيناتور فاينجولد الديمقراطي والسيناتور ماكين الجمهوري وأنهما توحدا وتجاوزا خلافاتهما الأمريكية - الأمريكية وانهمرت دموعهما تعاطفا مع المصريين وحرياتهما المدنية فتقدما معا بمشروع ذلك القانون، وقالت لي الإنترنت أيضا إنهما أوضحا في ديباجة مشروع ذلك القانون (أن سبب وضعه هو أهمية مصر بالنسبة لأهداف الأمن القومي الأمريكي ولثقلها الثقافي -والفكري في المنطقة العربية) مؤكدة لي أن مشروع القانون لم يكن لاهتمامهما بحال مصر وشعبه وحرياته المدنية بقدر اهتمامها بالأمن القومي الأمريكي!!! استفزني مشروع القانون، لكن الإنترنت (كتر خيرها) أكدت لي أن (الحداية ما بتحدفش كتاكيت) وبالذات (الحداية الأمريكية) وأن الأمر ليس حناناً ولا مبادئ ولا اهتمام مفاجئ بحال الشعب المصري وإنما هو ولاء للمصالح الأمريكية والأمن القومي الأمريكي وهذا الولاء هو الذي وحد النقيضين (مقدمي مشروع القانون) لصالحه إلي حد توجيه النصح لمصر وإلا (العصا لمن عصي)!!! ولأن الشيء بالشيء يذكر، فقد ذكرني ذلك (الحنان الأمريكي) بحنان السيدة كونداليزا رايس الشهير بـ(الفوضي الخلاقة) الذي أحس أنه قد وضع موضع التنفيذ الواقعي بإيد خفية عابثة فما نعيشه اليوم من تفجرات طائفية وعنف اجتماعي وغضب شعبي وأزمات اقتصادية متلاحقة ليس إلا السلالم التي يدفع الشعب المصري للوقوع من علي حافتها عمدا وصولا لهاوية الفوضي الخلاقة التي ستحرق الأخضر واليابس في الوطن وترسي قواعد الديمقراطية الأمريكية العظيمة علي (انقاض روما المحترقة)!!!

لماذا ذكرني مشروع ذلك القانون بقصة الأطفال (ذات الرداء الأحمر) الذي تخفي فيها الذئب المفترس في ثوب الجدة وأدعي حنانا وطالب الحفيدة بفتح الباب الذي يحميها ويبعدها عن أنيابه، لكن ذات الرداء الأحمر كانت ذكية فلم تطمئن للذئب رغم ترقيقه لنبرة صوته وادعائه الحنان الزائف فأنقذت نفسها من براثن أنيابه، فهل ذات الرداء الأحمر أكثر منا ذكاء وفطنة؟؟؟

يا أمريكا........ رغم أني ضد قانون الطوارئ ومن ضمن المهتمين والمدافعين عن حقوق الإنسان في مصر ورغم أني أحلم بمجتمع مدني عادل يخلو من العنف والغضب تتحقق فيه أحلام البسطاء في حياة كريمة آدمية محترمة واتمني أعيش تغييرات في مصر لصالح شعبها وحسب إرادته ورغبته وصنيعة يده.... إلا أني لم أفقد الذاكرة ومازلت احتفظ بكتب التاريخ ومانشيتات الصحف التي توضح الدور الأمريكي الجميل الحنون في كل مكان في العالم وفي فيتنام وفلسطين وشيلي وكوبا وأفغانستان وغيرها من الدول التي نكبت بالحنان الأمريكي وذاقت ويلاته!! يؤسفني يا أمريكا..... أني لا أقبل مشروع قانونك ولا تدخلك في الشأن المصري بـ(ذهب المعز وسيفه) فلسنا قصر عديمي الأهلية ولست ولية أمرنا ولن تكوني الباب العالي الجديد الذي يحاول أن يفرض سطوته علينا وتجريدنا من استقلالنا وسيادتنا الوطنية بحجة (حقوق الإنسان والحريات المدنية).... يؤسفني يا أمريكا، أني لا أصدق حنانك ولا تخدعني دموع التماسيح التي تسكبيها علي الحريات المدنية في مصر ولم اخدع وقت ارتديت ملابس الجدة الطيبة واصطنعت صوتا رقيقا وطرقت علي بابنا بحجة التعاطف والاهتمام دعما للأمن القومي الأمريكي ومصالحه في منطقتنا...

يؤسفني يا أمريكا أني أعرف جيداً معني المثل المصري الجميل (الحداية مابتحدفش كتاكيت) . ولا أصدق أبداً أن النسر الأمريكي سيمطرنا بالحنان والرقة وحقوق الإنسان ومازلت اتذكر وقت احتل الأسطول الإنجليزي مصر بذريعة الدفاع عن الأجانب وحقوق الأقليات بعد حادثة الحمار المالطي الذي تشاجر مع سكندري فإذا بالاسطول الإنجليزي يدك الإسكندرية ويحتل مصر سبعين عاما!!!

وللبعض اقول، هؤلاء المروجون بحسن نية وسذاجة أو بعمد وقصد لفكرة (الاستقواء بالخارج) حلا للمشاكل المستعصية التي لا يملكوا - لأسباب كثيرة - قدرة علي مواجهتها أو حلها هؤلاء الذين قد يعتبرون قانونا مثل ذلك القانون الأمريكي منحازا لنضالاتهم وداعما لهم ويفرحون به ويروجون له ويدافعون عنه، أقول لهم إن (الخارج) له أجندة ومصالح وحلفاء تخص أمنه القومي بالأساس حتي لو ردد كلاماً يعجبكم أو أدعي مواقف تؤيدكم، وأن ذلك (الخارج) ليس إلا (ذئب) قصة ذات الرداء الأحمر أو ذئب قصة (الثيران الثلاثة) مهما اصطنع صوتا خفيضاً حنونا جميلا وعلينا أن نكون أكثر حنكة وإدراكاً لما يحدث حولنا حتي لانصرخ مثل الثور الأسود وقت عاد له الذئب ليقتله بعدما التهم شقيقيه الأحمر والأبيض (لقد أكلت يوم أكل الثور الأحمر)!!!!

مقال الاثنين 27 سبتمبر 2010
نشرت في جريده روز اليوسف اليومية

الاثنين، 20 سبتمبر 2010

اتقوا الله في هذا الوطن

اتقوا الله في هذا الوطن



إن مسألة الوحدة الوطنية ليست مسألة هزار!
دي مسألة أمن قومي مصري ماينفعش فيها أي حد يجي علي باله أي حاجة يقولها، يستفز الناس ويلهب مشاعرهم الدينية ولما نقول له ليه بتقول كده، يقولك أنا حر! لا محدش حر في المسألة دي إلا بقدر ماتكون حريته مابتضرناش كلنا! محدش حر علي حسابنا وحساب جثثنا وحساب أمانا وأمان أطفالنا وعلي حساب مستقبلنا! إن وحدة الشعب المصري وأمنه واستقراره هي مسألة أمن قومي لا يجوز العبث فيها باسم الحرية، وإذا كانت الحرية التي يتحصنون بها ستقود الوطن للهاوية ولإشعال الحريق في كل بيت، فلتذهب الحرية للجحيم، سيما ان الطريق لجهنم مفروش بالنوايا الحسنة والشعارات البراقة! إن حقي كمصرية انتمي لهذا الوطن وأحبه أن أحمي أماني وأمان أطفالي وأحافظ علي مستقبلهم وهذا كله يستحيل الحفاظ عليه وحمايته إذا بقيت المسألة الطائفية مشتعلة في قلب الوطن وتزداد الفجوة يوما بعد يوم بين شعب الوطن علي أساس المتاريس العقائدية والدينية!

لذا أكرر واشدد علي أن مسألة الوحدة الوطنية واستقرار الشعب المصري ووحدته الوطنيه بصرف النظر عن اختلاف العقائد ليست مسألة هزار ولا أمزجة ولا حرية شخصية! كل واحد حر في بيته يعمل اللي هو عايزه، يكره المسلمين يكره المسيحيين، هو حر، ده آخر مجال لحريته الشخصية أو الفكرية، لكن لما أي بني آدم يتقدم ويتكلم في محافل عامة أو أجهزة إعلام صحف أو فضائيات، ليس من حقه أن يقول أي شيء يعصف بأمان هذا البلد واستقراره بحجة أن ده رأيه!

وإذا تصادف وخرج علينا أحدهم مسلم أو قبطي- من برنامج تليفزيوني أو صحيفة أو محفل جماهيري عام ليتحدث ويدلي برأيه في شئون شعب مصر التي تخصنا جميعا ويتطرق للمسائل العقائدية والدينية التي تخصنا جميعا أيضا عليه أن يعلن بوضوح أنه يتحدث برأيه الشخصي، فهو لا يمثل جموع المسلمين ولا جموع الأقباط، وبالتالي أقواله تخصه شخصيًا إن كانت عظيمة فالمجد له وإن كانت مشينة فالعار له، وفي الحالتين الآثار المترتبة علي أقواله وتصريحاته تخصه شخصيا ولا تخص المجموع لا مسلمين ولا مسيحيين ويتعين علينا جميعا مصريين مخلصين محبين لهذا الوطن أن نحجم آثار كل الأقوال الطائفية التي تملأ الصحف والجرائد والفضائيات التي يتطوع بها متطوعون من الجانبين لإشعال النيران في الوطن، يتعين علينا تحجيم تلك الأقوال وتقليص آثارها وتجاهلها تجاهل تمام والتمسك بمصريتنا ووحدتنا وأمان شعبنا وحياتنا ووطنا بكل الطرق والوسائل القانونية المشروعة.

إذا خرج أحد المتطرفين الإسلاميين وقال كلاما في حق الأقباط فهذا لا يشين ولا يدين بقية مسلمي الوطن في نفس الوقت إذا خرج أحد المتعصبين الأقباط وقال كلاما في حق المسلمين فهذا لا يشين ولا يدين بقية أقباط الوطن، فكلام هذا أو ذاك وتصريحاتهم لا تشين ولا تدين بقية أهل الوطن مسلمين أو أقباط وهؤلاء وهؤلاء ليسوا مطالبين باعتذارات وليسوا مطالبين بتصحيح ما قاله ولا تفسيره، كل ما تحتاجه تلك الأقوال والآراء المتطرفة التي تعصف بأمان الوطن ووحدة شعبه، كل ما تحتاجه هو التجاهل التام من الجميع، لا نرددها ونلوم قائلها، ولا ترددها ونفسر قصده ونشرحه، ولا نرددها ونعتذر عنها، كل ما نحتاجه التجاهل التام قتلا للفتنة في مهدها!

علي العقلاء من المسلمين والأقباط، سواء كانوا رجال دين أو أناسا عاديين، علي العقلاء جميعا، التصدي الجماعي الواعي لأقوال المتطرفين من الجانبين، وكفانا استفزازا، عليهم التصدي لتلك الأقوال المستفزة بالرد عليها وتفنيدها للجمهور سواء مسلم أو مسيحي، الذي يتشوق لكلمة عادلة تشعره بالأمان وتنزع الفتيل من القنابل التي يعدها المتعصبون للانفجار في وجوهننا جميعا! نحن لا نملك الرفاهية في مسألة شائكة ومهمة مثل وحدتنا الوطنية- حتي ننشغل باستعراض الآراء الفقهية وفتح أضابير التاريخ للترويج للفتنة وشائعة روح الطائفية والتربص بين أبناء الشعب الواحد في وطن يحتقن مواطنوه كل يوم استفزازا بسبب ما يقوله البعض وما يدلي به البعض دون أي إحساس بأي مسئولية تجاه الوطن وكان الوطن سيتحول يوما لمعسكرين متشاحنين وفريقي كرة قدم يركل كل لاعبيهما قلب الوطن بين أقدامهم ولنذهب جميعا للجحيم! علي كل من يفتح فاه في هذا المجال أن يفكر جيدا فيما سيقوله وأثره علي الشعب بمسلميه ومسيحييه، هل سيقودهم للوئام والمودة أم للتناحر والتشاجر والحرب، علي الجميع مسلمين وأقباط أن يتقوا ربهم في هذا الوطن وشعبه وكفاكم هزلا مريرا وكفاكم تلاعب بمصائرنا وتهديد لحياتنا بحجة الحرية الشخصيه وحريه الرأي!

نحن جميعا المصريين، نخضع للدستور الذي ينص علي المساواة بين المواطنين ويمنح جميع أبناء الشعب حقوق المواطنة بلا تميز بينهم بسبب الدين، الدستور هو إطارنا المرجعي التشريعي الذي نخضع له، جميعنا مسلمين وأقباطا لنا نفس الحقوق وعلينا نفس الواجبات، فإذا تعارضت الفتاوي والآراء التي يدلي بها البعض مع المظلة الدستورية فهي محض فتاوي وآراء ليس لها أي حجية قانونية أو واقعية وعلينا جميعا التصدي لتلك الفتاوي التي تثير الطائفية وتهدد استقرارنا وأمانا ووطننا، فمصر وطنا لكل المصريين مسلمين ومسيحيين، مصر لن تكون مصر التي نعرفها ونحبها بلا أقباط ولن تكون مصر التي نعرفها ونحبها بلا مسلمين، وحين ضربت إسرائيل مصنع أبي زعبل في بدايات السبعينيات لم تفرز قنابلها بين الضحايا علي أساس الدين والعقيدة، بل سال الدم المصري لعمال المصنع فوق الماكينات تحت أنقاض المصنع المتهدم من جراء القصف سواء كان هؤلاء العمال مسلمين أو أقباط، وحين عبر الجيش المصري قناة السويس في حرب أكتوبر وحارب وانتصر ودفع المصريون ثمنا لهذا النصر من دماء شهدائهم وحياة أبنائهم لم نفكر في الشهداء وعما إذا كانوا مسلمين أو أقباط بل كان شهداء وأبطال مصريين افتخرنا جميعنا بتضحياتهم وبطولاتهم واحتفلنا كلنا بالنصر الذي حققوه معا! وقتها لم نفكر من مسلم ومن قبطي بل كنا جميعا مصريين وفقط!

الوحدة الوطنية ليست مسألة هزار أو هزل أو ضغط أو ابتزاز سياسي بل أعود وأكرر إنها مسألة أمن قومي شديد الأهمية والخطورة.. فكفاكم استفزازا وكفاكم دقا لطبول الحرب التي إن قامت ستحرق الأخضر واليابس! فمصر كانت ومازالت وستظل وطنا لكل المصريين مسلمين وأقباطا.. اتقوا الله في الوطن وفي الشعب!

كلمة أخيرة، دفعني لهذه الكلمات أسبوع طائفي عنيف، أدلي فيه بعض المسلمين وبعض الأقباط بتصريحات وآراء وبيانات في شأن المسألة الطائفية وصدرت عنهم تصريحات نارية من شأنها تأجيج الاحتدام الطائفي العقائدي لأقصي مداه واستفز الكثيرين واستنفروا وأحسست أن «الدنيا حتتخرب فوق رءوسنا جميعا» لكنني قررت ألا أردد تلك المقولات والآراء ولا أناقشها وإنما اتجاهلها تماما باعتبارها آراء شخصية لأصحابها لا تهمني اطلاقا.. كل ما أرجوه من عقلاء المسلمين وعقلاء الأقباط أن يتكاتفوا بحق لحماية هذا الوطن وأبنائه، أما دين كل منا فهو أمر بينه وبين الله سبحانه وتعالي يخصه وحده ولا ينال من مصريته سواء بالزيادة أو بالنقصان!

أقولها وأكررها.. اتقوا الله في هذا الوطن وشعبه وسلامته وأمانه ومستقبله!
نشرت في جريده روز اليوسف اليوميه الاثنين 20 سبتمبر 2010
http://www.rosaonline.net/Daily/News.asp?id=83066

الاثنين، 13 سبتمبر 2010

حرام عليكم ... والله !!!!


هل يملك أي مشاهد لأي برنامج تليفزيوني أو عمل درامي، هل يملك الحق في الشكوي من الإعلانات المتلاحقة التي تمزق سياق البرنامج ونسيج الدراما وتفرض نفسها علينا مرة واثنين وثلاثة وأربعة ونحن أسري المقاعد لا نملك فرارًا.. هل أملك الحق في الشكوي وإذا كنت أملك هذا الحق فلمن أشكو، هل من حقي مشاهدة التليفزيون بلا غزو الإعلانات عن الشاي والبطاطس وخطوط المحمول والسمنة والزيت وأنواع الجبنة، هل من حقي الاستمتاع بما أراه دون أن تفسد تلك الإعلانات مزاجي وتقتحم منزلي عنوة كل عشر دقائق.

نعم أعلم أن الإعلانات هي مصدر التمويل في معظم القنوات ولكن أليس للمشاهد حقوق علي الشركات المعلنة ألا تزعجه و«تفرقه» وتطارده كأنه شخص غبي يلزم تكرار الدرس عليه كل عشر دقائق، وأليس للمبدع الذي كتب العمل الدرامي ومثل أدوراه احترام يلزم مراعاة، فليس معقولا ووسط الأحداث الساخنة لأي مسلسل أو وسط السياق المتصاعد لأي برنامج، ليس معقولاً أن يشتت المتفرج والمتابع فجأة ليجد إعلانات الشاي والسمنة والجبنة والبنوك والمستشفيات تتكرر وتتكرر لنعود للدراما ثم نعود للإعلانات حتي كدت لا أعرف ما هو الذي نتفرج عليه، إعلانات تتخللها أعمال درامية وبرامج، أم برامج ودراما فيتخللها إعلانات!!

أيضا لا اعرف ما هو الحد الأدني لعرض نفس الإعلان علي المشاهد، هل خمس مرات في الساعة؟؟ هل ست وعشرون مرة في الساعة!! وهل تحديد عدد مرات عرض نفس الإعلانات أمر يخص الشركات المعلنة وبفلوسها «تعمل اللي هي عايزة» أم يخص أي جهة أخري وإن كان فمن هي تلك الجهة حتي نشكو إليها ونتظلم نحن - المشاهدون - بأننا والله العظيم بنفهم وحنسمع الكلام وإن شاء الله - أول ما يبقي معانا فلوس - حنشتري كل البضاعة اللي بيعرضوها علينا وحنتبرع بكل التبرعات اللي طالبينها منا وأننا شطار فعلا ولا حاجة منهم للتكرار والتكرار وحرام عليهم بجد!! ويؤسفني بكلامي البايخ أن أفسد الفرح الذي يعيشه المعلنون وأصحاب شركات الإعلانات وأصحاب القنوات الفضائية والأرضية اللي بيحتفلوا بالنجاحات المدوية التي حققوها علي حساب المشاهدين طوال شهر رمضان، يؤسفني افساد الفرح وأقول لهم إني أعتقد أن ما يحدث يضجر و«يقرف» كل مشاهد ويأتي أثرا عكسيا علي الحملات الإعلانية التي تنصب اللعنات فوق رءوسها هي والبضائع التي تعلن عنها. وإذا كانت تلك الإعلانات تستهدف اعجاب المشاهد ببضائعها وصولا به وأمواله، فيمكنني أن أطمئن الشركات المعلنة ومنظمي الحملات الدعائية أن المشاهدين ضجروا منهم وكرهوا ما يفعلونه واستجاروا من ظلمهم لله العزيز القدير وأكثروا من الدعاء برفع الغمة في الأيام المفترجة التي كانت أبواب السماء مفتوحة فيها!! يا أيها السادة المختصون بالأمر، إن تمويل القنوات شيء واحترام المشاهد والمبدع شيء آخر، ويلزم دائما التوفيق بين الأمرين بطريقة آدمية محترمة لا تكره المتفرج في حياته أكثر وأكثر!!

بمناسبة الإعلانات، فقد راعني إعلان لإحدي شركات الأغذية عبارة عن مشاهد مختلفة بين طفلة صغيرة لا تتجاوز العاشرة وشاب قد يصل للخمسة وعشرين أو يتجاوزها، راعني الرؤية الفكرية التي تجلت واضحة في سياسة ذلك الإعلان، الصغيرة والشاب يتنازعان حول المنتج الذي تنتجه وتبيعه تلك الشركة، الصغيرة تتوسل للكبير يعطيها لكنه لا يعطيها وفجأة تنقلب عليه بالمقالب الساخنة لتستأثر بالمنتج وحدها.

صراع غريب بين طفلة وشاب، صراع أناني سخيف كما قدمه صناع الإعلان، فالصغيرة تارة وتارة تضرب الشاب بمجداف وتتركه يغرق وهي تستمتع بالاستئثار بالبضاعة وتارة تعد له كمينًا، وتسكب عليه جردل طلاء ملونًا.. ما هي الحصة التي سيتعلمها صغارنا من هذا الإعلان، ألا يحترموا الكبار الأنانيين، أن يكيدوا لهم المكائد ويعملوا فيهم المقالب؟؟ هل هذا هو الدرس الأخلاقي الذي يسعي إليه صناع الإعلان، أم أنهم لا يفكرون في الأخلاق ولا في الدروس التي سيفهمها الصغار، المهم الترويج للمنتج وليذهب المجتمع الذي تضيع كل يوم قيمه ويزداد العنف فيه ويتوحش فليذهب للجحيم أكثر وأكثر!!

وبمناسبة الإعلانات أيضا، في رمضان الماضي ولما بعده بفترة طويلة، راعني بشدة إعلان لإحدي شركات الأغذية، عبارة عن مشاهد مختلفة بين أب وابنه الصغير، يتصارع فيه الأب مع ابنه للاستئنار بالمنتج الغذائي بدلاً من الابن، مشاهد مختلفة بعضها يصرخ الأب في ابنه الصغير يرعبه ليأخذ ما في يده. بعضها يفتش الأب والابن وغرفته وجيوبه، المهم أن فكرة الإعلان أن الصغير الغلبان يحاول يفر بالمنتج الغذائي والأب المستبد الاناني يطارده ويحصاره وينتصر في النهاية ويستولي لنفسه علي البضاعة المعلن عنها، لا أعرف كيف فكر المعلنون بتلك الطريقة.

كيف قبلوا أن يروجوا لبضاعتهم عن طريق أب أناني شره يأكل أكل ابنه، كيف قبلوا أن يروجوا لبضاعتهم عن طريق طفل مذعور يطاره أبيه ويفتشه مثل المشبوهين في لجان نصف الليل ويصرخ فيه كأنه أمسك حرامي في مولد!!

هل ما عرضوه عادي ومقبول ولم يصدم المجتمع، لم يصدم الآباء الذي يجلسون مع أبنائهم يشاهدون الإعلان، ألم يجرح أبوتهم وكرامتهم أن يظهر الإعلان أبًا مثلهم أناني بلا مشاعر متوحش يأكل أكل ابنه!! هل يكترث صناع الإعلانات بالرسائل الأخلاقية التي ترسلها إعلاناتهم للمجتمع بجانب الترويج للبضاعة، أم فقط يعنيهم البضاعة والترويج لها علي حساب أي قيم أخري.. هل يفهم حد ما قوله ويكترث به، أما أنا وحدي اللي «دقة قديمة» ولسة بأفكر في الأخلاق والمجتمع والقيم و«الكلام الفاضي اللي عفا عليه الزمن ده؟؟»!!والله العظيم اللي بيحصل في المشاهدين ده حرام!! حرام جدا خالص!!


نشرت في جريده روز اليوسف اليوميه الاثنين 13 سبتمبر 2010
http://www.rosaonline.net/Daily/News.asp?id=82053

الاثنين، 6 سبتمبر 2010

خمسة عشر دقيقة


اقترحت ابنتي " ملك " تصور شوارع وسط البلد وقت الافطار، ابنتي هاوية تصوير ولها عين فنانة تري الحياة من خلف عدستها بطريقة مختلفة وتفكر بحكم طبيعتها وموهبتها بطريقة غير تقليدية طيلة الوقت في اي شيء وكل شيء، اقترحت تلك الفكرة ولم تضعها موضع التنفيذ، فسرقتها منها بمنتهي التعسف ونفذتها فعلا باعتبار أنها تملك وأنا أملك وغيرنا كثيرون نصور أي شيء في نفس الوقت وتأتي صور كل منا مختلفة تماما عن الاخري، لأن الصورة تحمل روح صاحبها ورؤيته و" ماتزعليش يانونوة " لكن حجتي لم ترضها و"معنتش حاقولك حاجة تاني ياماما".

ولأن التصوير صار أهم هواياتي في الشهور الأخيرة، فالدنيا من خلف عدسة الكاميرا مختلفة جدا، تري مالاتراه بعينك المجردة، العدسة تكشف لك ماتراه عادة ولا تراه، العدسة تكشف لك تفاصيل صغيرة تمر عليها عادة بعدم اكتراث، وحين عرفت أن ملك مدعوة عند اختها علي الافطار ووجدتني سأفطر وحدي قررت انفذ الفكرة المسروقة من ملك، نعم قررت انزل وسط البلد افطر هناك لاصور قبل الافطار وبعده ، كنت اتصور ماسأجده لكن الواقع الذي فاجأني كان اجمل الف مليون مرة من تصوراتي النظرية !!! ...

حملت كاميرتي ونزلت الشارع قبل الافطار بنصف الساعة ... السيارة تنهب الطريق شبه الخالي، فكلما اقتربنا من وقت الأذان كلما تناقص عدد السيارات والبشر السائرون في الشارع، وحين انطلق صوت المؤذن ينادي " الله أكبر" كنت أقف في ميدان طلعت حرب، أشهر كاميرتي في وجه القاهرة أبحث عن الزاوية التي سالتفط منها الصور ... كانت المدينة التي أحبها تخرج من تحت الزحام والصخب تكشف عن وجهها الجميل، مجرد خمس عشرة دقيقة، اظهرت شوارع وسط البلد جمالها ونظافتها !! نعم نظافتها، اقصد تلك الكلمة تماما، وهي نظافة أدهشتني لكن الكاميرا بمنتهي الحب للمدينة اظهرت تلك النظافة بمنتهي الوضوح في كل الصور التي التقطتها، وبسرعة بسرعة تنقلت بين الزوايا المختلفة وعبرت شارع قصر النيل وسليمان باشا ومحمد محمود، اعود واذهب وأذهب وأعود، اصوب عدستي تجاه نهايات الشوارع وبدايتها، كل الشوارع خالية أو شبه خالية، لااحد يمشي في الشارع، موائد رحمن في الشوارع الجانبية يجلس عليها الصائمون يأكلون بمنتهي النظام والأدب، لاصخب لا ضجيج لا كلاكسات سيارات، اشارات المرور الأتوماتيكية تفتح وتغلق، سيارة تمرق من هنا أو هناك، لاتري علي وجه سائقها توتر القيادة المصرية وملامح الاستعجال والسرعة وعصبية وغضب الزحام، كانه خرج متعمدا القيادة في ذلك الوقت تحديدا للاستمتاع بالشوارع الخالية المحروم من رؤيتها معظم اوقات السنة !!!

خمس عشرة دقيقة، اظهرت فيها القاهرة جمالها الدفين العتيق العريق، تري ميدان طلعت حرب جميلاً ومبانيه الاثرية رائعة والشوارع حوله واسعة وعلي رأي عمنا صلاح جاهين علي مدد الشوف حولك كل شيء جميل، المصابيح الصفراء تعكس وهجها علي الاسفلت النظيف اللامع والمصابيح البيضاء تلقي سطوعها علي الأرصفة الكبيرة الواسعة التي نشكو عادة أننا لانراها ولا نجد مكانًا عليها للسير في الأوقات العادية !!! فاذا بوسط البلد يتحول لمكان جميل يضاهي بل يفوق أجمل المدن في العالم جمالا ورونقا ويزيد عنها حميمية ودفئًا وعراقة ....

وتذكرت فيلم " طباخ السيد الرئيس " وقتما سال خالد زكي، الشعب فين، نعم حين خلت الشوارع من الشعب اظهرت جمالها وكشفت وجهها المليح وروحها الدافئة الحميمة لتكاد تأخذها بالأحضان و" بالأحضان يابلادنا ياحلوة بالأحضان " .. وقت الافطار في رمضان ترك الشعب الشوارع وقبع في منازله علي موائد الإفطار يشرب الخروب والكركديه ويكسر صيامه فظهر جمال المدينة التي يقهرها الزحام وزيادة عدد السكان والصخب والضجيج وكلاكسات السيارات، ظهر جمال وسط البلد، ذلك المكان الخاص جدا بشوارعه الواسعة بمقاهيه ومطاعمه بمحلاته ببائعي الصحف ومحلات الملابس و اضوائه الملونة .... واكتشفت من خلف عدستي وحين حدقت في الصور التي التقطها بسرعة مائة مائتين ثلاثمائة صور في خمس عشرة دقيقة، اكتشفت أن المدينة ووسط البلد اجمل مما اظن واري في العادة، وإن مشكلة تلك المدينة المقهورة بسكانها، انها صممت منذ زمن بعيد لعدد من السكان والمترددين عليها فإذ بها تخنق باضعاف اضعاف العدد الذي انشئت لاستيعابه، العدد الرهيب من السكان والمترددين علي القاهرة خنقوها واظهروا علي وجهها قبحا لا تستحقه منهم فعدد السيارات في الشوارع اظهرها ضيقة ثعبانية وعدد المارة علي الارصفة اخفاها واوهمنا بعدم وجودها والزحام المروع من السيارات والمارة والمترددين علي المحلات وصخب الكلاكسات و" وش " احاديث الناس التي تشتري وتبيع وتاكل وتعبر الشوارع خلق شبورة صخب وضجيج وصداع فوق رأس القاهرة المظلومة بالازدحام والصخب ...

خمس عشرة دقيقة اسعدتني بجمالها ... وبعدها خرج النمل من الجحور وازدحمت الشوارع التي ضاقت بالمارة الكثيرين والسيارات الاكثر و طبقت شبورة " الوش " فوق راس المدينة وراسي ففررت بغنيمتي وعدت منزلي اختبئ من الصداع الذي طاردني بقوة من ميدان طلعت حرب حتي ستة اكتوبر !!

خمس عشرة دقيقة اثارت في نفسي شجوناً وتساؤلات كثيرة، شجوناً لان المدينة التي نحبها ونفخر بها والتي ترك التاريخ علي وجهها بصمته وقصصه وحواديته تعاني ضيق تنفس وارهاق بسبب الزحام والتكدس السكاني المروع لكنها لاتعانيه وحدها بل تصدره لنا بمنتهي القسوة والتعسف، انتم خنقتوني وانا اخنقكم والبادي اظلم !!! شجون لان الشوارع الخالية خلال خمس عشرة دقيقة فقط اظهرت جمال ونظافة وحميمية ودفئًا فكأن الزمن عاد للاربيعينات وافلامها الرومانسية الابيض واسود وبسرعة عادت المدينة مقهورة ونحن معها لعصر افلام الاكشن والرعب وابو رجل مسلوخة فانتقلنا بسرعة من اجواء " بين الاطلال وسيدة القصر ونهر الحب " لاجواء "غزو المريخ والمتحول والنينجا ترتل والبوبع "...

قبلما انزل لاصور وسط البلد وقت الافطار، كنت اسمع كثيرا عن مصطلح (اخلاق الزحام) و (سلوكيات الزحام) يردده علماء الاجتماع تفسيرا لسلوكيات وظواهر سلبية نشكو منها كلنا ، كنت اسمع مايقولونه بنصف اذن لاادرك بحق ما الذي يتكلمون عنه ، لكني رأيت بعيني ومحدش قالي في ذلك اليوم المعني الواقعي لما قالوه، كان وسط البلد في منتهي الجمال لمدة خمس عشرة دقيقة بعدها تحول لكارثة مزدحمة صاخبة وبدأت اشعر بالعصبية والتوتر والصداع والرغبة الرهيبة في الخناق والقتال و............ استوعبت ماقالوه بشكل عملي!!! هل صحيح ان القاهرة يعيش فيها عشرون مليون مواطن إقامة دائمة مستقرة ؟؟ هل صحيح ان ستة ملايين مواطن من الاقاليم يدخلوها يوميا للعمل ويخرجون منها آخر اليوم ؟؟ هل صحيح أننا كنا في أوائل الثمانينيات من القرن الماضي أربعين مليونا وصرنا اليوم ثمانين مليونا ونسير نحو التسعين مليونا بخطي واثقة قوية ؟؟؟ هل يعرف أحد كم سنكون بعد عشرين سنة ؟؟؟ هل يعرف أحد ماهو شكل مدننا وحياتنا وحياة أولادنا واحفادنا وقتها ؟؟ وهل المشكلة زيادة عدد السكان والزحام أم المشكلة في الفوضي وانعدام النظام؟؟

احلم ...................... بالقاهرة جميلة كما رأيتها .. هل يملك أحدكم حلاً لتصبح طيلة الوقت مثلما رأيتها في تلك الدقائق القليلة!!!!


منشوره بجريده روز اليوسف اليوميه بتاريخ 6 سبتمبر 2010
http://www.rosaonline.net/Daily/News.asp?id=81105

الصوره المنشوره من تصويري ....